الأربعاء، 15 يونيو، 2016

في ذكرى الحسم





بعد مرور ذكرى 9 سنوات على أحداث الانقسام أو ما يعرف بالحسم العسكري في غزة، يجدر بنا أن نقيم المرحلة السابقة حتى نضمن أننا نسير على الطريق الصحيح ونصحح المسار لو تطلب الأمر.

كان الوصول إلى الصدام المسلح بين حماس وفتح في قطاع غزة نتيجة لمشاركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006م، فقد أراد محمود عباس وبإشراف وتوجيه أمريكي أن تكون الانتخابات مدخلًا لتدجين حماس ودمجها في منظومة أوسلو.

أما حركة حماس فقد دخلت الانتخابات وهدفها الأول هو إسقاط أوسلو ووقف خيار التسوية السلمية، صحيح أن بعض المحللين والساسة يتغابون اليوم وويستغفلونا بقولهم أن هدف حماس كان الإصلاح والإعمار ورفاهية الشعب، لكن وقتها كان واضحًا هدف حماس الأساسي والشعب انتخبها من أجل الحفاظ على خيار المقاومة.

فكان لدينا جهة فازت بالانتخابات تريد تقويض أوسلو وجهة أخرى تمتلك مؤسسات السلطة وتريد تدجين المقاومة وإدخالها في نفق أوسلو، وهكذا كان من الطبيعي أن يحصل الصدام والفلتان الأمني في قطاع غزة.

أما الاحتلال الصهيوني فقد اختار عام 2005م الانسحاب من قطاع غزة، وأن يتركها لتكون مهمة السلطة ومصر، وطرحت أفكار صهيونية مثل حماستان في غزة وفتحستان في الضفة، فقد كان الصهاينة يميلون لتركيز جهودهم على الضفة من أجل تصفية الانتفاضة نهائيًا والحفاظ على المشروع الاستيطاني فيها.

وصلت حماس في منتصف عام 2006م إلى خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار الفلتان الأمني الذي تفتعله حركة فتح في سبيل إفشال تجربة حماس، وبالتالي استمرار القتل والاستنزاف في معارك داخلية، وإما القضاء على أجهزة حركة فتح العسكرية (الرسمية وغير الرسمية).
 
اختارت حماس أن تحسم الأمور وأن تقضي على البؤر المسلحة لحركة فتح، خاصة وأن وضعها في قطاع غزة سمح بذلك، لكن في الضفة الغربية فقد تعرض جهازها العسكري لضربات قوية في أعوام 2002م -2004م، كما أن جيش الاحتلال كان منتشر بكثافة كبيرة في الضفة ليتدخل لصالح السلطة في أي لحظة، فاختارت حماس في الضفة عدم الدخول في معركة خاسرة.

استطاعت حماس من خلال الحسم أن تحافظ على سلاح المقاومة في غزة وأن تطوره، ولا نتكلم عن سلاح حماس فقط بل الجهاد والشعبية وأيضًا حركة فتح، ولولا الحسم لرأينا غزة تغرق في حرب استنزاف لا تنتهي ثم ينتهي بها المطاف مستعمرة صهيونية منزوعة السلاح مثل الضفة.

لكن تداعيات الحسم السلبية كانت كثيرة وبعضها خطير وبحاجة لمعالجة، وبعض هذه الآثار بدلًا من معالجتها سمح لها بأن تتفاقم وتستفحل، سأوردها حتى ندرك ضرورة التعاطي معها ومعالجتها:

أولًا: نجح الاحتلال بإقناع السلطة بأن بقاءها مرهون بتحالفها معه بشكل وثيق، وأصبحت حماس الفزاعة التي تجمع أبناء حركة فتح ومنتسبي السلطة، ولفترة طويلة استخدمت هذه الفزاعة لتمرير سياسات غير وطنية كثيرة.

تضاءلت هذه الفزاعة قليلًا بعد جلسات الحوار عام 2011م وتضاءلت بشكل أكبر بعد انتفاضة القدس، لكن ما زالت موجودة ولو بشكل محدود على مستوى القاعدة، أما على مستوى قيادة السلطة فقد تماهت مع الاحتلال ومصالحه، وهذا أحد أهم معوقات تصاعد وتطور انتفاضة القدس.

ثانيًا: أصيب أبناء حماس في الضفة الغربية بهزيمة نفسية متقبلين فكرة أن تستبيح السلطة كل ما يتعلق بحماس والمقاومة، ورأينا انكفاءً عن المشاركة في النشاطات السياسية والنقابية والدعوية، إلا أن الأمور بدأت بالتحسن منذ عام 2012م مع بقاء بعض الرواسب حتى يومنا هذا.

ثالثًا: تراجع محاربة الاحتلال الصهيوني إلى المرتبة الثانية في الإعلام الفلسطيني، لتحتل المناكفات الحمساوية الفتحاوية المرتبة الأولى في أغلب الأوقات، بما فيه أثناء حروب غزة الثلاثة وانتفاضة القدس.

وهذا أدى لتراجع إيمان الكثيرين بالمشروع الوطني التحرري الفلسطيني، واستخدام شماعة الانقسام لتبرير تقاعس وتخاذل الكثيرين، وللأسف ما زال إعلام المقاومة (حماس تحديدًا) أسيرًا لهذه اللحظة ولا يوجد حتى اللحظة أي عمل ملموس لإعادة الاعتبار إعلاميًا للمواجهة مع الاحتلال.

رابعًا: تعميم صور نمطية خطيرة لها تداعيات سلبية على العمل المقاوم، فمشروع المخابرات الصهونية: حماستان في غزة وفتحستان في الضفة، وجد قبولًا لدى نفوس الكثيرين من الفلسطينيين والعرب.

بحيث أصبح هنالك استهجان لأي عمل مقاوم في الضفة لأن "هذه مهمة حماس وحماس موجودة فقط في غزة"، هنالك برمجة سلبية لعقول شباب الضفة بمن فيهم مؤيدو المقاومة بأن لا معنى ولا مكان للمقاومة في الضفة.

فنرى شرائح كاملة تنتظر النصر من غزة وترفض العمل في الميدان، ونرى شرائح في أجهزة السلطة الأمنية تحارب المقاومة وفي نفس الوقت تؤيد أبو عبيدة (الناطق باسم كتائب القسام في غزة).

خامسًا: بعد نجاح الاحتلال في تدجين الضفة الغربية خلال السنوات الأولى التالية للحسم، كان هنالك مراجعة وندم على الانسحاب من غزة، وبدأت الأفكار لتدجين حماس أو إنهاء حكمها لغزة، من خلال الحصار وإلهائها في مشاكل غزة الحياتية.

وللأسف نرى أحيانًا مؤشرات سلبية من داخل حماس مثل الكلام عن هدنة طويلة الأمد أو اللهاث وراء صفقات وتسويات مع الاحتلال (مثل المفاوضات التركية)، لكن الحق يقال أن الحركة لحد الآن صامدة بحزم في وجه إغراءات الدخول في قفص التدجين.

في الختام:

استطاعت حماس من خلال الحسم العسكري أن تحافظ على سلاح المقاومة في غزة وأن تعرقل مشروع التسوية السلمية وأن تشل مشروع أوسلو.

لكن هنالك حاجة ملحة لإعادة الاعتبار للعمل المقاوم خارج قطاع غزة في الضفة الغربية وباقي أماكن التواجد الفلسطيني ورفع مقاومة الاحتلال إلى رأس الأجندات.

ليست هناك تعليقات: