الخميس، 10 مارس، 2016

انتفاضة القدس وحزب التحرير


عملية الشهيدان محمد الكالوتي وعبد الملك أبو خروب



يمثل حزب التحرير حالة نموذجية للتحولات التي تطرأ على فكر الجماعات مع مرور الزمن، فالحزب الذي أنشق عن الإخوان المسلمين عام 1953م بدأ إلى يسار الجماعة، وكما تقول بعض الروايات رفض الحزب وساطة الشهيد سيد قطب للرجوع إلى الإخوان.

ثم وجدناهم يتحولون إلى يمين الإخوان وتبنوا أفكار سيد قطب التي تصادم الغرب وكل ما خرج عنه، وبعد أن خاضوا الانتخابات التشريعية في الأردن بالخمسينات، رأيناهم يهاجمون ويكفرون "ضمنًا" من يشارك بها، ويصفونها بالمنتج الغربي المعادي للخلافة.

ولفترة طويلة التصق الحزب بالتنظير معتبرًا أن الخلافة تأتي عبر قائد عسكري يتبنى طروحات الحزب، وأصبح مادة لسخرية الناس والساسة والمحللين.

كما أن الحزب أجل العمل بفريضة الجهاد إلى ما بعد إعلان الخلافة، وأدى ذلك إلى افتراق بينه وبين الواقع الفلسطيني رغم أن الحزب فلسطيني المنشأ.

وقد شهد الحزب آواخر انتفاضة الأقصى انشقاق ما أطلق عليه بالحركة التصحيحية ومن أبرز وجوهها في فلسطين محمد الشويكي، ولها أسباب كثيرة لكن ربما الأهم هو موقف الحزب السلبي من الجهاد في فلسطين، وقد ترك أغلب المنشقون الحزب إلى جماعات إسلامية أخرى وعلى رأسها حماس.

وقد شهدنا في السنوات العشر الأخيرة تبني جناح الحزب في أوزباكستان العمل المسلح والانتفاض في وجه النظام الحاكم، في مخالفة لفكر الحزب الذي لا يعتد بهذه الأفعال ويفضل انتظار الخليفة.
 
وفي ذروة شعبية السلفية الجهادية التي التقت مع الحزب في رفض الديموقراطية والانتخابات، بدا الحزب وكأنه الوجه الآخر للسلفية الجهادية، هو الوجه النظري وهي الوجه العملي، ورغم إيمانه بتعدد وجود الأحزاب إلا أنه يتصرف بنفس عقلية السلفية الجهادية على أنه الطائفة الناجية.

فبين حزب تأسس على مبدأ المزاوجة بين الفكر الإسلامي وأساليب عمل التيار القومي، إلى تحوله للنسخة الكلامية عن تنظيم القاعدة، نرى تحولات كثيرة مر بها الحزب تخللها انشقاقات كثيرة.

واليوم في انتفاضة القدس نلمس تغيرًا آخر، يفرض قسريًا على الحزب وهو انخراط أبنائه في عمليات المقاومة، فبعد أن كان يهاجم حماس وفصائل المقاومة ويعتبر أن مقاومتها ليست جهادًا وأنه يقوم على أسس سايكس بيكو والوطنية الكافرة، وأن الأفضل انتظار الخليفة وجيوش المسلمين، أصبح أبناء الحزب يتبنون (فعلًا لا نظريًا) تجربة حماس المقاومة.

وهذا أوقع الحزب في حرج فبينما النظرية تقول أن ما قاموا به خطأ، إلا أنه لا يستطيع الاصطدام مع قاعدته الشعبية (الضيقة أصلًا) المتفاعلة مع المجتمع الفلسطيني وانتفاضته، والمتأثرة بإعلام المقاومة.

لذا نرى سكوت الحزب على مشاركة أبنائه في عمليات المقاومة، وآخرها عملية القدس يوم أمس الأربعاء والتي نفذها الشهيدان محمد الكالوتي وعبد الملك أبو خروب، وهو سكوت يوحي بالرضا ويتيح لغيرهم الانخراط بالانتفاضة في كسر لتقاليد وقناعات الحزب.

لقد بلغ عدد شهداء الحزب من منفذي العمليات عشرة، وهو رقم كبير مقارنة بانتشار الحزب المحدود وأدبياته التي ترفض العمل المقاوم.

والسؤال هل سينعكس هذا التحول الميداني في سلوكيات أبناء الحزب على فكر الحزب نفسه ونرى مراجعات ولو كانت غير علنية وغير رسمية؟

في عالم الجماعات السياسية والدينية لا توجد ثوابت بالشكل الذي نظنه، وهذه الجماعات ابنة بيئتها تؤثر وتتأثر بها، مع ذلك فحتى هذه اللحظة يتمسك الحزب بنظرياته ورؤيته التقليدية تجاه القضية الفلسطينية.

ليست هناك تعليقات: