السبت، 26 مارس، 2016

اعرف عدوك: أثر صعود التيارات الدينية اليهودية على القضية الفلسطينية




من إفرازات انتفاضة الأقصى ميل المجتمع الصهيوني نحو اليمين، كما أن السنوات الماضية شهدت تزايدًا لنفوذ المتدينين اليهود في الحكومة ومؤسسات الدولة، ممثلين بالتيارين: القومي الديني (أو الصهيونية الدينية)، والحريديم (أو الأولترا أرثوذكس)، ومن بين أبرزهم روني الشيخ رئيس جهاز الشرطة الصهيونية الحالي والنائب السابق لرئيس الشاباك.

ويمكن لمن أراد المزيد حول زيادة تغلغل التيارين أن يتابع الدكتور صالح النعامي الباحث في الشؤون الاسرائيلية، لكن سأتكلم عن انعاكسات ذلك علينا كقضية فلسطينية وما الذي يجب أن نفعله لمواجهة ذلك.

تعريف سريع بالتيارات الدينية:

التيار القومي الديني:

يقوم على الجمع بين الفكر الصهيوني والتدين اليهودي، يمثله حزب البيت اليهودي، هو الأكثر تشددًا في القضايا السياسية لكن في القضايا الاجتماعية فيقف في الوسط بين العلمانيين والمتدينين الحريديم.
يلبس رجاله قبعة المتدينين البيضاء او الملونة وهو منخرط في الحياة السياسية منذ نشأة الكيان لكن نفوذه تعاظم في السنوات الأخيرة.

يعتبر الاستيطان في الضفة أهم أولوياته على الإطلاق لأنه يعتبرها أرض "الآباء" والأرض التي حصلت فيها أغلب القصص التوراتية.

التيار الحريدي:

ويقوم على التمسك بتعاليم التوراة بحذافيرها وبما جاء في التلمود، وهو يرفض الصهيونية لأنها تمثل فكرًا علمانيًا لا يلتزم بالتوراة.
 
تاريخيًا لم يكن يهتم بالقضية الفلسطينية أو القضايا السياسية الخارجية، لكن منذ أواخر التسعينات بدأ يتبنى طروحات اليمين الصهيوني، وخاصة بعد تولي إيلي يشاي زعامة حزب شاس، وتعتبر مدينة القدس بالنسبة لهم خطًا أحمر لا يجوز مجرد التفاوض على يهوديتها.

يمثله حزب شاس (لليهود الشرقيين) وحزب يهودات هتوراة (لليهود الغربيين)، والأول أكبر حجمًا وأكثر تأثيرًا.

يلبس الرجال الحريديين القبعات والملابس السوداء وهي الملابس التقليدية لليهود في أوروبا، وهم غير منخرطين في الحياة الاقتصادية ومعدلات الفقر عالية بينهم، ويعيشون على مخصصات البطالة ومخصصات المدارس الدينية، ومعدل التكاثر لديهم عالي جدًا.

رغم إعفائهم من الخدمة العسكرية إلا أنهم بدأوا ينخرطون في الجيش والمؤسسة العسكرية بالسنوات الأخيرة وخاصة بعد انتفاضة الأقصى، وهنالك ألوية مخصصة في الجيش لهم تراعي أحكام التوراة (مثل عدم الاختلاط بين الرجال والنساء).

إيجابيات صعود التيارات الدينية والفرص التي يتيحها:

أولًا: رفض التيارات الدينية أي تسوية سياسية بما يخص القدس والضفة، بل توجد مطالبة واضحة بضم الضفة الغربية، وهذا يعني قتل مسار التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، ويضع التيارات الفلسطينية المختلفة أمام خيار المقاومة رغمًا عن من لا يريدها.

ثانيًا: صعود هذا التيار وحلفاؤه من اليمين العلماني (مثل نتنياهو وليبرمان) يضعف من قوة التعاطف الأوروبي والغربي مع "إسرائيل"، فهذه شخصيات مكروهة غربيًا ويتعامل معها الغرب مرغمًا لكن إن أحسن أنصار القضية الفلسطينية استغلال هذه الثغرة سيستطيعون الدفع قدمًا بحصار الكيان الصهيوني عالميًا.

ثالثًا: تصاعد قوة وانتشار التيار الحريدي يدفع النخبة العلمانية من اليهود الغربيين إلى التفكير بهجرة فلسطين إلى أوروبا وأمريكا حيث يمكن الحياة بطريقة ليبرالية ومنفتحة بشكل أكبر، وهذه النخبة هي التي توفر الكفاءات العلمية والاقتصادية التي تقوي اقتصاد الكيان الصهيوني.

إلا أن وجود "ملاذات" آمنة للعلمانيين بعيدًا عن التجمعات الحريدية مثل بعض أحياء تل أبيب ومدينة حيفا، يجعل هذا التأثير ضعيفًا وثانويًا.

سلبيات صعود التيارات الدينية والتحديات التي تفرضها:

أولًا: سيكون هنالك مزيدًا من التمسك بالضفة والقدس بحيث يجعل الانسحاب منها أمرًا بالغ الصعوبة، وهذا يفرض على كافة الأطياف السياسية الفلسطينية إعادة النظر في خططها لتحرير فلسطين.

فالانسحاب من خلال التفاوض أصبح مستحيلًا، والانسحاب من خلال هدنة مؤقتة بعد تصعيد عمليات المقاومة (كما تخطط حماس) هي أمر مستحيل، وحتى الانسحاب من جانب واحد كما حصل في غزة شبه مستحيل، وخاصة في الظروف الحالية.

يجب بناء استراتيجية تحرير قائمة على استنزاف الاحتلال بشكل دائم لعرقلة المشروع الاستيطاني في الضفة والقدس (وليس وقفه تمامًا لأن هذا مستحيل ضمن المعادلات الحالية)، إلى أن تحين لحظة الاستعانة بالخارج من أجل دحر وهزيمة الاحتلال.

المقاومة يجب أن تكون مهمتها تهيئة الأرض الفلسطينية لتدخل (عربي وإسلامي ومن فلسطينيي الشتات) لمحاربة الاحتلال وتحرير الأرض، وهذا يتطلب نفس طويل جدًا.

ثانيًا: عدم استغلال الفرص التي يتيحها صعود التيار الديني ستكون نتيجتها عكسية تمامًا وسلبية للغاية، بكلام آخر فعدم مقاومة التوسع الاستيطاني في الضفة وترك انتفاضة القدس تواجه الموت البطيء، يعني ابتلاع الضفة بشكل نهائي، وربما تحول فلسطين كلها إلى أندلس جديدة.

عدم استغلال موت المسيرة السلمية من خلال الدفع بمشروع المقاومة إلى الصدارة يعني الاستسلام التام وانتصار المشروع الصهيوني.

في الختام:

قد يقول البعض أنه لا فرق بين مختلف الصهاينة فهم بالنهاية جميعهم أعداء، وهذا صحيح من ناحية عدائهم لنا، لكن هنالك اختلافات وفروق يجب أن ندرسها ونفهمها وأن ندرك التغيرات الجديدة التي تطرأ على تركيبة الكيان الصهيوني حتى نستطيع تغيير أسلوب عملنا بما يتلاءم مع احتياجات المرحلة القادمة.

ليست هناك تعليقات: