الجمعة، 13 مايو، 2016

حول عزل رئيسة البرازيل والتسرع بالاستنتاجات




استغرب من الذين يسقطون الواقع العربي على البرازيل ويخرجون باستنتاجات حول عزل رئيسة البرازيل بعيدة كل البعد عن الواقع، وذلك انطلاقًا من ما يعرفونه عن المنطقة العربية وليس ما يعرفونه عن البرازيل!

أو كما قال الممثل الكوميدي المرحوم حسني البرزان "إذا أردت أن تعرف ماذا في إيطاليا فيجب أن تعرف ماذا في البرازيل"!

لا شك أن اليسار البرازيلي وفي أمريكا الجنوبية عمومًا يدعم القضية الفلسطينية والقضايا العربية سواء كان في فلسطين أو رفض الانقلاب في مصر، لكن في المقابل نفس من يرفضون الانقلاب على مرسي يدعمون نظام بشار الأسد، وهذا يعطينا فكرة أولية عن الاختلاف بالتفكير والحسابات في أمريكا اللاتينية عنا.

وهنا يجب التأكيد على عدة قضايا تتعلق بعزل الرئيسة البرازيلية:

أولًا: عزلها سواء كانت فاسدة فعلًا أم ضحية لصراعات سياسية، يأتي لأسباب وحسابات برازيلية داخلية، وفي إطار تنافس اليمين والذي يمثل النخب ذات الأصول الأوروبية، مع اليسار الذي يمثل الطبقة الفقيرة والمكونة من الهنود الحمر (السكان الأصليين) وذوي الأصول الإفريقية والفقراء من الأصول الأوربية وأعراق خليطة من كل ذلك.

ثانيًا: الرئيسة عزلت ضمن قواعد اللعبة الديموقراطية، في بلد مستقر ديموقراطيًا وتجري فيه انتخابات بشكل دوري ومنتظم، لذا لا يمكن على الإطلاق وصف ما حصل بأنه انقلاب عسكري أو انقلاب للدولة العميقة كما وصفها البعض.

لا يوجد نظام عسكري يصل إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع أو الانتخابات أو المجالس النيابية، وأغلب الأنظمة العسكرية في العالم وصلت للحكم عن طريق الانقلابات، فلا مجال للمقارنة بين مصر وعزل مرسي والبرازيل وعزل الرئيسة روسيف.
 
وأكثر من ذلك أن الرئيس المؤقت ميشال تامر كان نائبها، كما كان حزباهما متحالفين طوال 15 عامًا قبل أن يدب الخلاف بينهما العام الماضي؛ أي أنه صراع ضمن اللعبة الديموقراطية وليس انقلابًا عسكريًا.

وهنا تبرز المشكلة العميقة والمتجذرة في عقول الغالبية العظمى من العرب بمختلف تياراتهم الفكرية، أنهم لا يفهمون أن الانتخابات والديموقراطية هي عملية مستمرة وأنك من الممكن أن تخسر اليوم وتنجح بعد عشرة أعوام، يظنون أن المعركة الانتخابية هي معركة القادسية أو معركة اليرموك إما تنتصر للأبد أو تنهزم للأبد.

ثالثًا: لا شك أن هنالك صراع خفي بين أمريكا واليسار في أمريكا اللاتينية حول السيطرة على ثروات تلك البلاد، لكنه صراع محكوم بسقوف معينة وقواعد معينة، وليس صراعًا مفتوحًا كما نرى في مصر أو سوريا.
والمتمردون على أمريكا مثل شافيز والأنظمة اليسارية في البرازيل وغيرها يمكن تشبييهم بأردوغان وتركيا، أي متمرد من داخل النظام الغربي الذي تتحكم به أمريكا، تمرد محكوم بسقف لا يمكن تجاوزه.

رابعًا: اليسار في أمريكا اللاتينية لم يوفق دائمًا في النهوض بالواقع الاقتصادي للطبقة الاجتماعية التي يمثلها، رغم سنوات الحكم وذلك لأسباب كثيرة أهمها السياسة الشعبوية غير المدروسة، فعلى سبيل المثال كان شافيز يوزع موارد النفط على الفقراء بشكل مباشر ومن خلال دعم المواد الاستهلاكية، وهذه طريقة خاطئة للنهوض بالاقتصاد، وكان الأصل تشجيع الإنتاج وبناء اقتصاد منتج.

لذا لا يجوز تعليق كل شيء على شماعة أمريكا والغرب فهنالك أخطاء ذاتية وقع بها اليسار، والعجيب أن من يبررون للرئيسة روسيف (دون معرفة حقيقية بالواقع البرازيلي) هم أنفسهم يجلدون الإخوان المسلمين تحت مسمى محاسبة الذات ويرفضون أي عذر حتى لو كان وجيهًا.

خامسًا: لا علاقة مطلقًا لرفض تعيين سفير للكيان الصهيوني في البرازيل لأنه مستوطن بعزل روسيف، وذلك لأن البرازيل ليست مصر أي أن أهمية البرازيل للكيان ليست بمثل أهمية مصر لكي يخططوا ويتآمروا لعزل الرئيس.

ومن ناحية أخرى فاللوبي الصهيوني في أمريكا اللاتينية ضعيف نسبيًا (باستثناء الأرجنتين) وذلك مقارنة بلوبي عربي وفلسطيني قوي وفعال، وهنا نجد فارقًا مهمًا بين أمريكا الجنوبية وأوروبا في أن دعم القضية الفلسطينية ليس سببًا لعزل السياسي أو اضطهاده.

لذلك ارجو فهم الوضع البرازيلي في إطاره الصحيح والرجوع إلى تقارير ودراسات عن الوضع البرازيلي تاريخيًا وحاليًا، بدلًا من إنزال قوانين المنطقة العربية عليه وكأن روسيف هي مرسي أو أن اليسار البرازيلي هو جماعة الإخوان المسلمين!

ليست هناك تعليقات: