الخميس، 8 سبتمبر، 2016

نحو تصويب المصطلحات: شهيد لقمة العيش


بداية أريد التأكيد أني لا أتكلم عن الأشخاص ولا أقيّمهم، فربهم أعلم بهم وهو الذي سيحاسبني ويحاسبهم، إنما أتكلم عن مبدأ العمل لدى الصهاينة.

حيث كثرت بالآونة الأخيرة ظاهرة إطلاق وصف "شهيد لقمة العيش" على العمال الفلسطينيين الذين يموتون في حوادث أثناء عملهم لدى الصهاينة، وهنا يجب التوقف مليًا أمام هذا الوصف.

الشهيد كما يعلمنا الرسول (عليه أفضل الصلاة والتسليم) هو من قتل في سبيل أو مات في سبيل لله أو قتل دون ماله أو دون عرضه وغير ذلك، أي أنه قتل وهو يقوم بعمل مشرف يستحق الثناء عليه.

وجرت العادة عندنا وصف من يقتله الصهاينة بالشهيد حتى لو يكن مجاهدًا أو متصديًا لهم، ربما باعتبارنا مرابطين والصهاينة يقتلونا ظلمًا وعدوانًا.

وهنالك عند البعض ابتذال بتوزيع صكوك الشهادة، فمن يقتل في شجار عائلي أو يقتل في حادث مروري نجامل أهله ونطلق عليه مسمى شهيد.

ارتبطت الشهادة سواء بمفهوها الشرعي أو الإعلامي بالتضحية بالنفس من أجل قضية سامية وجليلة.

فهل من يعمل لدى الصهاينة يخدم أهدافًا جليلة؟ وهل هو أمر مشرف أن تخدم المحتل الذي جاء ليقتلك ويقتلع شعبك؟


ومرة أخرى لا أحاكم الأشخاص إنما أصحح المفاهيم الخاطئة التي أصبحت تحكمنا، فعندما جاء الاحتلال عام 1967م صدرت الفتاوى بتحريم العمل لدى الاحتلال ثم تهاون الناس حتى أصبح أمرًا عاديًا وطبيعيًا.

الظروف التي يعيشها شعبنا أحيانًا لا تترك أمام الشاب سوى العمل لدى الصهاينة، لكن في المقابل هنالك مفاهيم خاطئة تشجع على ذلك، وهنالك من يجد عملًا لدى الفلسطينيين لكنه يذهب إلى الصهاينة طمعًا في أجر أعلى، ولا يجد حرجًا في ذلك.

العمل عند الصهاينة هو خطأ ومحرم لأنك تقوي دولتهم وتمدها بأسباب البقاء، ولأنك تصبح رهينة لقمة العيش التي يطعمونك أياها، فكيف ستحارب من كان يطعمك؟ (للمزيد اضغط هنا).

إلا أننا لا نصدر أحكامًا على العمال داخل الكيان الغاصب لأن هنالك من هو مضطر فعلًا، ومن ناحية أخرى لأن العمل عند الصهاينة هو مما عمت به البلوى، يرتكبه الكثير من الناس بمن فيهم متدينون ووطنيون، مما يشوش المفاهيم لدى العديد من العامة، ويظنون أن كثرة من يعملون لدى الصهاينة هو دليل على جواز ذلك شرعًا ووطنيةً.

لكن إن كنا نتفهم اضطرار البعض للعمل أو جهلهم أو اعتياد الناس على واقع خاطئ، فمن غير المقبول أن نزين الأمر في عيون الشباب ولا يقبل أن نشجعهم على ذلك، وإطلاق وصف شهيد لقمة العيش هو تزيين الإثم في عيون الناس.

فمن يذهب للعمل عند الصهاينة هو إنسان يسعى وراء مصلحته الشخصية الضيقة، بينما الحقيقة أن شهيد لقمة العيش هو من يترك ليموت كمدًا وقهرًا ومرضًا لأن الاحتلال والسلطة يحاربونه في لقمة عيشه بسبب مقاومته للاحتلال.

وكما أننا نستخدم أسلوب التدرج والرفق بالدعوة فيما يخص بعض الظواهر السلبية بمجتمعاتنا التي عمت بها البلوى مثل من لا تغطي شعر رأسها أو تلبس "حجاب نص كم"، فإننا لا نتساهل مع فتاة تخرج "بالمايوه" مثلًا.

وكذلك الأمر ينسحب على العمل عند الصهاينة فمن كان يعمل في تل أبيب بمجال البناء استخدم معه أسلوب التوعية والتدرج، أما من كان يعمل في بناء الجدار العنصري أو كان عميلًا أو كان يعمل على جرافة تهدم منازل إخوانه الفلسطينيين فهذا لا يمكن التساهل معه إطلاقًا.

لا يوجد حل جذري للعمالة داخل الكيان الصهيوني إلا بإزالة الاحتلال، ولا نستطيع إزالته إلا إذا تحررنا اقتصاديًا وهنا تكمن المعضلة، ويجب البحث عن طرق لتحقيق تلك المعادلة: طرد الاحتلال وتوقف الاعتماد عليه اقتصاديًا.

لكن حتى ذلك الحين فيجب أن نوعي الناس بخطيئة العمل لدى الصهاينة، وأن الاضطرار لا يعني التوسع في خدمتهم، ويجب وضع خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها بأي حال، لا أن نفعل العكس ونزين ذلك بمصطلحات مثل "شهيد لقمة العيش".


هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

مسكين أنت يا من تبني من أجل إطعام أبنائك جدارا يطوقكم به العدو أو يطوق إخوتك، فأنت عميل، لأنك لم تشترك مع هذا العدو في سرقة غاز فلسطين من إجل أن تلقي بفتات من المساعدات لإخوتك، حينها لن تكون عميلا بل ستستحق الافتخار والتمجيد. مسكين أنت أيها الفلسطيني فأنت مطالب بمقاطعة منتجات عدوك التي اعتادت عائلتك على شرائها وإن لم تفعل فستوصم بالخيانة لكنك لو كنت تملك بدائل عديدة وقررت اختيار هذا العدو بين كل تلك البدائل لأن أسلافك كانت تربطهم به علاقة فستوصف بالذكاء وستتلى عليك المبررات التي تزين لك التمادي في زيادة التبادل التجاري مع العدو بضعة مليارات أخرى. مسكين أنت تحاول أن تشكر مجموعة من السفاحين الذين ساعدوك فتنبري لك الألسنة الحداد، لكنك لو لقيتهم بالأحضان واعتبرت بيتهم بيتك الثاني فستكون أفضل من غيرك فمن يملك الشجاعة سواك ويجاهر بعلاقاته بينما يتخفى الآخرون. أنت مسكين أعزل معزول لكنك تستطيع وحدك محاربة القوى الكبرى فلماذا تنبطح لأي منها؟ لكن لو كنت غنيا بالأسلحة والأموال والأعوان فانبطح كما تشاء ولا حرج، وتحالف مع هذه القوى لمحاربة خصومك، فستبقى مضطرا تحت ضغوط الدول ولا حل لك إلا بالتفاهم معها.
أعرف أنك مسكين تغني في الليل للقمة العيش لاعنا "أبوها ع اللي جابوها" ثم تخرج في الصباح لتتلقى لعناتك، فلن تكون أقل تناقضا من قادة الرأي والفكر والفلسفة. أعرف أنك مسكين عندما ترى ردود أفعال فئات من شعبك على لقاء أم أسيرين وأختهما مع رئيس سلطة بلدك، فهؤلاء يفهمون أكثر من هذين الأسيرين المضربين عن الطعام في سجون العدو منذ شهرين ومن أمهما زوجة الشهيد ومن أختهما الطفلة اليتيمة الأسيرة المحررة.
جرب أن تغير اسمك فقط إلى أردوغان فقد يصبح ذمك مدحا، وسيئاتك حسنات، والمحظور مستحبا.