الأحد، 11 ديسمبر، 2016

الجزيرة وما وراء التطبيع مع الاحتلال



استنكر ناشطون قيام الجزيرة بالزج بدولة الاحتلال الصهيوني وعلمه في تقرير عن الفساد في "الشرق الأوسط" معتبرين ذلك تطبيعًا، وتصوير الاحتلال على أنه دولة طبيعية نقارنها مع باقي دولنا العربية.

وأعطى التقرير دولة الاحتلال مركزًا متقدمًا على العديد من الدول العربية زاعمين أن الفساد به محدود.

والواقع أن ما حصل أخطر من التطبيع، وأننا وصلنا لمرحلة ما وراء التطبيع، للأسباب الآتية:

الأول: التقرير يأتي في سياق هوس إعلامي غير مسبوق لتبييض صفحة الاحتلال الصهيوني، والتقليل من شأن جرائمه، والحجة دائمًا أنه "أقل سوءًا" من الدول العربية.

وهذا تقرير يغرد في نفس الاتجاه بأن دولة الاحتلال أقل "فسادًا" من دول عربية عديدة، وبالتالي من المفروض أن نمدح هذا الاحتلال "الحضاري".

الثاني: مقياس الفساد الذي أعطى دولة الاحتلال مرتبة متقدمة في النزاهة مختل تمامًا، لأنه يتجاهل تمامًا ما يقوم به الاحتلال من سرقة ممنهجة للشعب الفلسطيني، فعلى سبيل المثال:


اللاجئ الفلسطيني يمنع من استعادة أرضه التي سرقتها دولة الاحتلال، تحت مسمى "قانون أملاك الغائبين"، فهنالك قانون ينظم عملية السرقة.

أما النظام العربي الذي يسرق أموال مواطنيه فلا يوجد قانون ينظم عملية السرقة، فيسمى فسادًا، أما "إسرائيل" التي تنظم عملية السرقة وتضع لها القوانين، فهي دولة قانون.

ومثال آخر: في الفترة الأخيرة ازدادت عمليات مصادرة (سرقة) أموال المواطنين من قبل جيش الاحتلال في المداهمات بالضفة الغربية، تمامًا مثلما يقوم جيش بشار أو السيسي، لكن الفرق أن جيش الاحتلال يسرق لصالح الدولة مع أوراق رسمية فتسمى "مصادرة"، وجيش بشار يسرق لجيبه الخاص فيسمى فسادًا وسرقة.

الأمر تمامًا مثل من يدين التفجيرات بين المدنيين ويسميها إرهابًا، لكن يرفض أن يسمي غارات الأمريكان إرهابًا.

الثالث: الأنظمة العربية التي ترعى الفساد ليست خيار شعوبها أو خيارنا (نحن العرب) بل هي خيار الكيان الصهيوني؛ الذي إما أنه يدعمها بشكل مباشر مثل النظام الأردني، أو دعم وصولها للحكم وخطط لانقلابها مثل نظام السيسي، أو يدعمها من تحت الطاولة مثل نظام الأسد.

فكيف ندين الموظف الصغير (النظام العربي) ولا ندين صاحب العمل (الكيان الصهيوني)؟ أم أننا سنكون مثل من يبرر للحاكم الظالم بالقول أنه حاكم محترم لكن بطانته فاسدة؟ 
"إسرائيل دولة قانون وبنت حلال لكن عملاءها هم العرب الوسخون"؟

الرابع: أما تجميل صورة دولة الاحتلال بالقول أنها دولة عادلة مع شعبها والتغني بعدالتها المزعومة، فأقول أن العدالة لا تتجزأ، وأن هذه الأرض هي لنا الفلسطينيين ونحن شعب هذه الأرض، وبإمكان "إسرائيل" أن تأخذ شعبها إلى أوروبا وتعاملهم بعدلها المزعوم كما تشاء.

أما طالما هي على أرضنا فنحن الأولى بالعدالة والحق وليس الأغراب الغزاة.

في النهاية:

ارجو التوقف عن تجميل الكيان الصهيوني تحت مبرر أنه أقل سوءًا من غيره، فليس قدرنا الاختيار بين السيء والأسوأ، كما لا يعنيني إن كان الصهاينة عادلين فيما بينهم فالمهم حقوقي أين هي؟ وأخيرًا الكيان الصهيوني هو المسؤول الأول والأخير عن أنظمة الفساد التي تحكمنا فكفى لجلد ذواتنا ولنعرف من هو عدونا.

فأكبر جريمة هي أن نمد عدونا بصكوك الغفران المجانية.

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

التطبيع كان رسميا وكانت فئات متعددة من الشعوب ترفضه علانية، لكن هذا الموقف ساء جدا، فصار من يرفض التطبيع في بلد يبرره في بلد آخر، وصار من يقبل التطبيع في بلده يذكر من يناقشه بموقفه الهزيل من تطبيع ذلك البلد الآخر، وصار من يرفض التطبيع في بلده يكتفي بإظهار هذا الرفض، دون مطالبة حكومته إن كانت تجرّم التطبيع بمحاسبة الفاعل، ودون ضغط شعبي يجبره على الاستقالة أو حتى الاعتذار، بل قد يدافع عن الفاعل، ويهاجم منتقديه، ويتهمهم بالمزايدة، والصيد في الماء العكر، والبحث على السلبيات.
وصار للتطبيع مبررات سخيفة، مثل: النظام الدولي، والرأي الآخر، وضرورة النظر إيجابيا إلى المساعدات المقدمة للفلسطينيين، وإحسان الظن، والواقعية، والتركة الثقيلة، والضعف الداخلي، ودفع تهمة معاداة اليهود، والمبادرة للسلام، وحسن الجوار، والتعاون ضد من هو أسوأ. ويظهر تهافت هذه المبررات المختلَقة عند المقارنة بردة الفعل حين يقع أمر مشابه مع خصم أو عدو آخر، (مثلا: البوليساريو، الحوثيون، الإخوان، الخدمة).
وهذا يشير إلى أن موقف الشعوب سواء من التطبيع أو من الأنظمة ليس فرديا ذاتيا مبدئيا في كثير من الحالات، بل هو مرتبط برأي المجموعة التي ينتمي إليها الفرد أو عائلته، ويرى أنه غير جدير بمعارضتها، ولا بمناقشة أهداف أفعالها، ولا حتى بمعرفة أعذارها، ولو للرد على منتقديها. وهذا يوضح كيف تسلل الاحتلال "الناعم" إلى قلوب الشعوب وعقولها التي قست وتحجرت، حتى وصلت إلى هذه الحالة.