السبت، 3 ديسمبر، 2016

فيديو وتعليق: برنامج الحروب الصليبية على الجزيرة الوثائقية



تابعت الحلقة الأولى من برنامج الحروب الصليبية الذي عرض على الجزيرة الوثائقية، وهو جهد طيب لتقديم تاريخ هذه المرحلة الزمنية الهامة، إلا أنه وقع في الفخ الذي قع به أكثر المتحدثين عن التاريخ، وهو التبسيط المخل في قراءة التاريخ، والتأثر الواضح بالمدرسة المادية لتفسير التاريخ (المدرسة الماركسية).

الصليبيون:

فالفيلم اختزل أسباب الحروب الصليبية في الطمع المادي والرغبة في الحصول على أملاك وثروات المشرق العربي، وهذه مشكلة المدرسة المادية التي تحصر كل أحداث التاريخ وتطور المجتمعات البشرية بالدوافع الاقتصادية البحتة.

ونرى تأثير هذه المدرسة ممتدًا في عالمنا العربي بحيث لا يقتصر على الماركسيين بل يصل إلى قطاع كبير من الإسلاميين، الذين يروق لهم إسقاط الدوافع الاقتصادية البحتة على الغرب، فهذا يتفق مع نظرتهم النمطية بأن الغرب هم أهل الدنيا الفانية و"نحن" أهل الآخرة.


إلا أن حركة التاريخ ليست بهذه البساطة، والدوافع الإنسانية مركبة وليست أحادية؛ أي أن الطمع المادي هو أحد الدوافع لكنه ليس الوحيد، ولا ننسى أن أوروبا الغربية في ذلك الوقت كانت شديدة التدين، ونشر العقيدة الكاثوليكية كانت له أولوية كبيرة لدى الكنسية.

وكنا ننتظر من الفيلم أن يقدم لنا فهمًا أوسع للغرب بكل تعقيداته ودوافعه المختلفة لشن الحروب الصليبية، وليس إعادة إنتاج الصورة النمطية عن "الغرب الجشع" الذي جاء ليحتلنا.

فعلى سبيل المقارنة لو نظرنا إلى المشروع الصهيوني اليوم فمن متابعتي القريبة للمجتمع الصهيوني نجد هنالك صهاينة همهم الوحيد الدافع المادي، لكنهم الأقل تمسكًا بالكيان الصهيوني وأغلبهم يعتبرون فلسطين مجرد محطة على طريق هجرتهم إلى أمريكا والغرب.

ولهذا من بين مليوني يهودي هاجروا من دول الاتحاد السوفياتي السابق إلى فلسطين، فقد استقر مليون منهم هنا والبقية هاجروا بعد فترة إلى الغرب.

لكن من الخطأ حصر سبب إقامة المشروع الصهيوني بالطمع المادي وحده، فهنالك خلفية دينية قام عليها، وهنالك تحالف استعماري بين الغرب الذي لم ينس تنافسه مع العالم الإسلامي وبين الصهيونية، ولهذا نجد اليوم العمود الفقري لحكومة الاحتلال ولمؤسسات الدولة هي الصهيونية الدينية، وليس أصحاب الأطماع المادية البحتة.

ما الذي يدفع (مثلًا) الصهاينة للمحاربة من أجل الصلاة في قبر يوسف وسط مدينة نابلس، وتحويله إلى بؤرة احتكاك وصراع دائمة مع الفلسطينيين منذ انتفاضة النفق عام 1996م وحتى يومنا هذا؟ أي تفسير مادي واقتصادي لهذا السلوك سيسقط.

كنت أتمنى أن يشرح لنا الفيلم أكثر عن تركيبة الحضارة الأوروبية والتي تقوم على ثلاثة أسس: الحضارتين الرومانية (القوانين) واليونانية (الفلسفة)، والديانة المسيحية، والعنصر البشري لقبائل الشمال الجرمانية التي غزت أوروبا.

فامتزاج هذه العناصر الثلاثة أنتج لنا الحضارة الأوروبية التي نعرفها، ورغم فقر أوروبا وتخلفها الحضاري في العصور الوسطى إلا أن ثقافة الفتوحات والغزوات التي جاءت بها قبائل الشمال الجرمانية (القوط والدنمارك والنورمانديون والإنجليز والساكسون والفرنجة وغيرهم)، قد ساهم بتحويل هذه الطاقة القتالية والحمية الدينية إلى المشرق.

ورغم هزيمة الصليبيين في بلاد الشام بنهاية المطاف إلا أنهم واصلوا حروبهم في الأندلس، أو ما أطلقوا عليها حروب الاسترداد، ثم توسعوا إلى استعمار العالم الجديد وأفريقيا، وتراكمت الثروات بيدهم نتيجة غزواتهم، وتحولت هذه الثروات إلى تقدم علمي، وعزز التقدم العلمي قوتهم وقدرتهم على الغزو والانتصار عسكريًا.

ثم عادوا واحتلوا بلادنا ودعموا المشروع الصهيوني وأطبقوا قبضتهم على بلادنا العربية والإسلامية، والسؤال المهم "كيف فعلوا ذلك؟" وهذا سؤال لا يجاب عليه بكلمة أو جملة واحدة، لكن ننتظر محاولات جادة للإجابة عليها حتى نخرج بفائدة من هذه البرامج الوثائقية، لا أن تكون مجرد سرد للتاريخ.

العالم الإسلامي:

كما أن الفيلم لم ينجح (برأيي) في تفسير قدرة الصليبيين على الانتصار في معاركه الأولى مع السلاجقة، واختزلها بالفرقة وخيانة بعض الجنود، وأرى هنا إسقاطًا لواقعنا المعاصر على التاريخ.

فنحن في زمننا المعاصر اختزلنا أسباب هزائمنا بالفرقة والخيانة، وهي بالفعل أسباب للهزيمة لكنه ليست الوحيدة، وأراد معدو الفيلم أن يسقطوها على ذلك الزمن، فهل كانت هذه الحقيقة؟

هل يعقل أن خيانة جندي واحد فتح أبواب أنطاكيا تفسر هذه الهزيمة المدوية؟ هل كان الوضع هشًا لهذه الدرجة؟ ما سبب هذه الهشاشة؟

ومن الناحية الأخرى فالصليبيون كانوا مشتتين ومتفرقين وتحت قيادة إقطاعيين متفرقين ومتنازعين فكيف انتصروا على المسلمين رغم تفرقهم؟

وما هو دور المسيحيين في المشرق العربي؟ هل حقًا أنهم قاوموا الصليبيين أم رحبوا بهم أو شيء بين الأمرين؟ ولننظر إلى يهود المشرق كيف انصهروا بالمشروع الصهيوني فهل كان هذا الواقع في الحروب الصليبية؟ ولماذا؟ وكيف؟

خاصةً وأن نسبتهم في التركيبة السكانية في ذلك الوقت كانت كبيرة ولا تقارن بنسبتهم اليوم، وللأسف فهذه الزاوية لا يتم التطرق لها بطريقة علمية، بسبب حساسيات السياسة والخوف من الاتهام بالطائفية، لكن نحن بحاجة لفهم التاريخ كما حصل وليس كما نتمناه.

في النهاية:

كنت أتمنى أن يأتي البرنامج بآراء مؤرخين متنوعة ومختلفة (الرأي والرأي الآخر) حتى تثري المشاهد، وينظر إلى الحروب الصليبية بزوايا مختلفة.


قد يكون برنامج الحروب الصليبية مفيدًا من حيث سرد أهم الأحداث التاريخية لمن لا يملك فكرة جيدة عن هذه الحروب، لكنه مثل غيره لم يقدم دراسة تحليلية وقراءة واقعية مركبة توصلنا إلى فهم أفضل لتاريخ الحروب الصليبية.

ليست هناك تعليقات: