الخميس، 8 ديسمبر، 2016

أسطورة النقاء الثوري


تمر علينا ذكرى 29 عامًا على الانتفاضة الأولى، وفي بال الكثيرين صورة عن الانتفاضة النقية التي توحد الجميع خلفها صفًا واحدًا ضد الاحتلال، وهمشت الخلافات الداخلية، وكان الشعب كله الداعم الوفي لهذه الانتفاضة.

وهذه الصورة الرومانسية غير دقيقة، واعتقاد الناس بأنه لا يمكن أن تندلع ثورة ضد مستبد أو انتفاضة ضد الاحتلال إلا بإجماع شعبي والتفاف حول الثورة والانتفاضة، هو وهم كبير لا صلة له بالواقع.

فالعمل الثوري لا يخلو من أخطاء، خاصة وأن الثوار والمنتفضين ليسوا محترفي قتال أو سياسة، بل يتعلمون عن طريق التجربة والخطأ.

لكنك لا تدخل العمل الثوري إلا لأن استمرار الوضع كما هو غالي الثمن، وتحاول الالتزام بقيم أخلاقية وخطوات عملية محسوبة.

المهم أن نزيل من عقولنا أسطورة النقاء الثوري والاجماع الشعبي، والذي يضعه البعض شرطًا قبل التحرك، فلا تتوقع في بداية عملك الثوري أن يحملك الشعب على الأكتاف ويهتف باسمك وينتظر تعليماتك.

كن في المقدمة وسيتبعك أهل الهمة والعزيمة، وبعد أن تنجح سيتبعكم عوام الناس، أما المثبطين والمنبطحين والعملاء، فقد تجد نفسك أحيانًا مضطرًا لردعهم وإساكتهم، لكن حاذر الإنشغال بهم عن هدفك الرئيسي.
 
والاجماع في الانتفاضة الأولى تقف وراءه كلمتان: العنف الثوري (كما يسميه الماركسيون)، والريادة.

العنف الثوري الذي يستخدم بحق من لا يلتزم بقوانين الانتفاضة، ولهذا كانت القيادة الموحدة للانتفاضة (قاوم) تروس بياناتها بعبارة "لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة"، لم يكن هنالك تسامح مع تاجر لا يلتزم بالإضراب، أو رب أسرة يرفض مرور المثلمين من حديقة منزله، وأحيانًا كان العقاب قاسية (مثل حرق المحل أو المنزل).

والريادة هي أن تقدم نموذجًا عمليًا فيتبعك الناس، وأذكر وقت عمليات حماس الاستشهادية الأولى (والتي بدأت في نهاية الانتفاضة وبداية قدوم السلطة) كان الناس يتذمرون من الإغلاقات والعقاب الجماعي الصهيوني، لكن في النهاية يكون التأييد والدعم لحركة حماس لأنها قدمت نموذجًا رائدًا بالمقاومة، ولو طلبت رأي الناس مقدمًا لكان الرفض واختلاق الذرائع.

وقد عايشت الانتفاضة الأولى بكل تفاصيلها فكان هنالك العملاء الذين كانوا هدفًا للانتفاضة، ويقدر عدد العملاء الذين قتلوا بالانتفاضة الأولى حوالي 1400، وبعد أوسلو أنشأ الاحتلال لهم قريتين: الأولى في غزة وتعرف بالدهنية، والثانية في شمال الضفة وتعرف بفحمة الجديدة، وأسكن فيهما حوالي 10 آلاف شخص من العملاء وعائلاتهم.

كما أن قطاعًا واسعًا من الشعب الفلسطيني كان متذمرًا من الإضرابات ومن رشق الجنود بالحجارة، وذلك لأسباب اقتصادية أو خوفًا من انتقام الجنود، لكن لم يجرؤ أحد على الانتقاد العلني أو الوقوف بوجه شبان الانتفاضة.

وما كان في الانتفاضة الأولى ليس بالأمر الشاذ على الثورات والحروب، فقد قتل مئات الآلاف من الحركيين (عملاء فرنسا) في الجزائر على يد الثورة الجزائرية، أما الثورة الفرنسية فقد أعدمت ستين ألفًا بعضهم من رموز النظام الملكي المطاح به، وأكثرهم من رفاق الثورة الذين شكوا بولائهم لها أو قتلوا في تصفيات حسابات داخلية.


ليست هناك تعليقات: