الخميس، 12 مارس، 2015

الثورة المصرية بين الأخونة والدعشنة




دخل الإخوان المسلمون مرحلة المقاومة الشعبية منذ بداية العام الحالي، في محاولة لتصحيح مسار الثورة المصرية، بعد أن تأكد عدم قدرة المظاهرات وحدها على الإطاحة بالانقلاب.

ورغم أن الإخوان دخلوا هذه المرحلة بهدوء وبقليل من الضجة الإعلامية (كعادتهم)، ورغم حرصهم على التدرج وعدم القفز عن المراحل، إلا أننا يمكن أن نشعر بذلك من خلال الآتي:

أولًا: قبيل ذكرى ثورة 25 يناير تكلم أحمد منصور عن تغييرات في قيادة الإخوان بمصر، والاستعانة بقيادات شابة، تأكيدًا على ضرورة مواكبة الإخوان التغيرات وضرورات المرحلة، وقد أثبتت الوقائع اللاحقة صدق معلوماته.

ثانيًا: في ذكرى ثورة يناير جاء في بيان الإخوان على لسان الناطق الجديد باسمهم محمد منتصر أن "ننقل اليوم رسالة جديدة إلى هذا الانقلاب الغاشم أنه من اليوم هناك مرحلة جديدة من العمل الثوري"، كما جاء في بيان تحالف دعم الشرعية أنه "لاحرمة لمن يقتل المصريين."

ثالثًا: تزامن مع هذه الإعلانات ظهور عدد من الجماعات المسلحة، مثل العقاب الثوري وحركة المقاومة الشعبية، وقد نفذت يوم 25/1/2015م وحده تفجير 56 عبوة ناسفة، و12 كمين، بالإضافة لإغلاق عشرات الطرق وإحراق مباني حكومية.
 
وقد حافظت هذه الجماعات على استمرارية المقاومة الشعبي لحد اليوم مع تفاوت في الزخم.

علاقة الإخوان بهذه الجماعات ليست علنية ولا واضحة مع ذلك لا يمكن تجاهل البصمة الإخوانية، وهذا طبيعي فالإخوان حريصون على أن لا يكونوا في صدارة المشهد لأسباب عدة أهمها اثنين: لأن وجودهم في صدارة المشهد سيستفز العديد من الجهات المحلية والخارجية ويدفعها للتآمر من أجل اجهاض هذه التجربة، والآخر لكي يحفظوا خط الرجعة فيما لو فشل هذا المشروع (المقاومة الشعبية).
 
ونلحظ أن المقاومة الشعبية المتصاعدة في مصر تختلف عن منهج القاعدة في الكثير من النواحي، أولها أنها غير حريصة على القتل بقدر حرصها على تقويض مؤسسات النظام الانقلابي، وثانيها هو ابتعادها عن العمليات الاستعراضية وتركيزها على عمل هادئ وممنهج.

فعلى سبيل المثال قامت أحد هذه الجماعات بمهاجمة حاجز للامن المصري (أو كمين باللهجة المصرية) الليلة الماضية وقامت بالاستيلاء على سلاح من الحاجز، وتقييد رجال الأمن وترك المكان.

كان بإمكان المهاجمين قتل أو ذبح رجال الأمن وتصويرهم على الفيديو، وبذلك يحوزون على اهتمام الإعلام وتطبيل المحللين السياسيين واللايكات على الفيسبوك، وتكون لدينا فقاعة إعلامية كبرى جديدة، وفي المقابل كانوا سيحرضون الرأي العام المصري عليهم، وسينبهوا أجهزة أمن الدولة عليهم بما يزيد استنفار وشراسة الانقلاب.

طبعًا هم ليسوا سلميين على الإطلاق، وهنالك عمليات قتل فيها رجال أمن أو حتى مسؤولين محسوبين على الانقلاب، لكن هنالك فرق بين أن يكون القتل غاية (كما هو عند داعش) وبين أن يكون القتل وسيلة.

فجنود الحاجز الذين استسلموا للمجموعة لم يتم مسهم بأذى، بينما حاجز آخر لا يستسلم جنوده فيقتلون، هكذا يتم إرسال الرسائل بشكل صحيح.

وفي المقابل نجد أنه رغم كل التطبيل الإعلامي لداعش، ووجود الكثير من المصريين (وخاصة على الفيسبوك) يعتبرون أن داعش هو الحل، لكن لحد اللحظة لم تستطع داعش الخروج من سيناء وتنفيذ عمليات في وادي النيل.

كان هنالك عمليات محدودة عام 2013م وبداية 2014م في السويس والإسماعيلية يعتقد أن مصدرها تنظيم أنصار بيت المقدس في سيناء، لكنها بعد ذلك انحصرت في سيناء، وذلك لوجود حركة تمرد سيناوية ضد النظام من الأصل توفر بيئة حاضنة لداعش (أو تنظيم ولاية سيناء كما يسمى).

ويمكن تفسير هذا التناقض بين الخطاب العالي والمزايدات من طرف مؤيدي داعش المصريين وانعدام أي وجود ميداني لداعش في مصر، إلى أن أغلب الذين يعبرون عن دعمهم لداعش إما أنهم طبول جوفاء يمارسون حياتهم اليومية بعيدًا عن السياسة، ويأتوا إلى الفيسبوك ليفرغوا شحنات الغضب لديهم، أو أن فكرتهم عن داعش مقتصرة على أنها تعني محاربة النظام دون معرفة معمقة بفكر داعش أو استعداد للانضمام إليه.

وحسب فهمي لداعش وطريقة عملها فهي لن تبدأ العمل في مصر إلا بعد انهيار مؤسسات النظام الحاكم، لأنها دومًا تتحرك في الفراغ ولا تدخل بصدام مع أنظمة متماسكة وقوية، بل تختار الفرائس الضعيفة.

وهنا يجب أن يأتي دور جماعات المقاومة الشعبية والإخوان المسلمين لصد أي تمدد داعشي وقتها، لئلا يخربوا عليهم ما أنجزوه، وحتى لا يتكرر السيناريو السوري، وإن كان الوضع المصري أفضل من السوري من هذه الناحية لوجود تنظيم متماسك وقوي للإخوان على عكس سوريا.

ويبقى في النهاية أن أشير إلى أن المقاومة الشعبية ما زالت في بداية الطريق بمصر، وبحاجة لأشهر من التسخين قبل أن تطور إلى مرحلة قادرة على الإطاحة بالنظام، لكن هذا هو دأب الإخوان المسلمين، العمل بنفس طويل، والمهم هو الاستمرارية وعدم الالتفات إلى إبر التخدير من أن هنالك تغيير سيأتي به الملك سلمان أو صفقات غامضة هنا أو هناك.

ليست هناك تعليقات: