الأربعاء، 11 مارس، 2015

حول إعدام داعش للشاب المقدسي محمد سعيد مسلم

محمد سعيد مسلم أثناء وجوده مع تنظيم داعش


قرأت مقابلته مع مجلة دابق (الداعشية) وشاهدت فيديو المقابلة معه وأسماء العملاء المزعومين في نهاية الفيديو، والسؤال المشروع هو عن مصداقية ما نشره التنظيم والاتهامات التي عرضها.

فالتنظيم معني بإنجاز يبيض وجهه ويدغدغ به عواطف اتباعه، وفي المقابل لداعش (وأكثر تنظيمات القاعدة) أسبقيات كثيرة بتصفية عناصر وقيادات لديهم ثم إلصاق تهمة العمالة بهم.

وأضرب مثالًا واحدًا وهو الشيخ حسن طاهر أويس أحد قادة حركة الشباب ومطلوب لأمريكا بتهمة الإرهاب، لاحقه تنظيم الشباب وأرادوا قتله لكنه فضل تسليم نفسه إلى الحكومة الصومالية حتى لا يقتل.

لذا فالتشكيك بصحة ما ورد من اتهامات شرعي، خاصة أن البينة على من ادعى، وهنا سأحاول مناقشة الأدلة التي طرحوها وعلامات الاستفهام حول القصة كلها:

مقابلته مع مجلة دابق
أولًا: كيف اكتشفوه؟ في المقابلة مع دابق قال أنهم اكتشفوه لعدم إطاعته أميره ولأنه لم يتصرف مثل المجاهدين، وفي مقابلة الفيديو قال لأنه خرج من المعسكر بدون إذن واتصل مع والده، والذي نصحه بالهروب.
 
ومن يعرف الطابع الحديدي لتنظيم داعش يعرف أنه من الطبيعي اتهام أي عنصر متمرد أو يحاول الهرب منهم بالعمالة، وهذا ما أرجح أنه حصل معه والباقي مجرد بروبغندا (مادة دعائية).

ثانيًا: الاعتراف؛ والاعتراف ليس سيد الأدلة إلا بالأفلام والمسلسلات، لأنه قد يتم انتزاعه بالقوة أو التأثير على المعتقل ليدلي بأقوال كما يريدها جلادوه.
 
وقد يخلط كلامًا صحيحًا بالكذب حتى يبدو كلامًا مقنعًا، فمثلًا الأسماء التي أدلى بها أنهم زملاؤه بالموساد قد يكونوا جيرانه أو أسماء عملاء مشهورين يعرفهم عامة الناس، وقد يكونون زملاءه بالمدرسة وذكر أسماءهم حتى يتخلص من التعذيب.

ثالثًا: باقي الأدلة؟ لا يوجد أدوات تواصل مع الموساد، إذن كيف سيتواصل معهم؟ عن طريق الفيسبوك أو الهاتف؟ أين هي أجهزة التجسس؟ كيف سيحفظ الأماكن والأسماء؟ هل جهاز متقدم مثل الموساد سيعتمد على ذاكرة الجاسوس أم سيقدم له أجهزة تساعده على توثيق ما يتجسسه؟

رابعًا: اعتراف بدون أدلة مادية، هو اعتراف مشكوك فيه، خاصة من تنظيم محترف بالتعذيب، واستمد خبرة جيدة بالتعذيب من أنظمة البعث العراقية والسورية، والمدرسة السوفياتية بالتعذيب قادرة على غسل دماغ الإنسان المعذب وجعله كالعجينة بيد معذبيه يلبي لهم ما يشاؤون.
 
وبالتالي الاعتراف وحده ليس دليلًا في هكذا حالة، ومن لا يصدق فليسأل أي محامي أو شخص درس القانون.

خامسًا: قصة تجنيده لصالح الموساد فيها ثغرات لا تستقيم مع المنطق، فقد تم تجنيده لشرطة الاحتلال ثم الشاباك ثم الموساد، مع تدريبات وأعمال تجسس ومراقبة، ثم اختياره ليذهب إلى مهمة وراء الحدود وعمره 19 عام فقط!
 
ما هذا الإنسان الخارق ليقوم بكل ذلك في هذا العمر المحدود؟
 
ولماذا اختار الموساد شاب بالكاد خرج من مرحلة الطفولة لينفذ مهمة حساسة كهذه؟ كان بإمكانهم اختيار شاب عمره 23 عام على الأقل يكون لديه بعض الخبرة بالحياة!

سادسًا: من يعرف العمل الأمني يدرك جيدًا أن أجهزة المخابرات عمومًا ومخابرات الاحتلال تحديدًا لا يشكلون خلايا تجسسية بل يرتبط كل عميل مباشرة مع الضابط الموكل به، فكيف عرف هذا الشاب بباقي العملاء؟
 
ما الحاجة لكي يتعرف إلى باقي العملاء؟ وخاصة أنه ذاهب بمهمة قد يلقى القبض عليه فيها، ويعترف على كل شيء، فهل يعترف فقط على الضابط أم يعترف على مجموعة أشخاص لا ضرورة لكي يعرفهم؟

سابعًا: قام مؤيدي داعش الفلسطينيين بإطلاق إشاعات بعد نشر لقائه مع مجلة دابق وخلطوها مع حقائق من أجل إضفاء مصداقية على المزاعم، فقالوا أن شقيقه يخدم في شرطة الاحتلال.
 
لكن والده في مقابلة مع صحفيين نفى أن يكون له أولاد يخدمون في شرطة الاحتلال، وأنا أصدق والده في هذه النقطة بالذات لسبب واحد أنه في مقابلة الشاب مع مجلة دابق لم يذكر شيئًا عن عمل شقيقه في شرطة الاحتلال، فهل ذكر كل التفاصيل ونسي هذا التفصيل المهم؟
 
حتى في الفيديو لم يذكر أن شقيقه يعمل بشرطة الاحتلال، فقط رأينا صورة مزعومة لشرطي احتلال على أنها لشقيقه في نهاية الفيديو.
 
وهذا يعني لي أن الشاب أعدم في مرحلة مبكرة قبل نشر مقابلته مع مجلة دابق، وإلا لأجبروه على قول هذا التفصيل في اللقاء المصور.

ثامنًا: كما أثاروا عدة نقاط، ومنها أن العائلة أصلها ليس من القدس، بل انتقلت إليه قبل بضع سنوات، وأن الأم فقط تحمل هوية زرقاء (كما فهمت) وأن من يستطيع تحصيل الهوية الزرقاء على الأغلب هو عميل.
 
وأضافوا أن عائلته تسكن في مستوطنة النبي يعقوب وهذا يعني أيضًا أنهم عملاء.
 
وهنا يلعب سوء الظن دور كبير، فمن ناحية أي عائلة لها صلة بالمقاومة لا تستطيع الحصول على هوية زرقاء بالمطلق، لكن هنالك عائلات لا دخل لها بالسياسة وليست عميلة، تستطيع الحصول على ذلك من خلال رشاوى أو إجراءات طويلة، الأمر ليس سهلًا لكن ليس مستحيلًا.
 
كما أن هنالك مستوطنات شمال القدس مثل بسجات زئيف والنبي يعقوب يسكن بها فلسطينيون، قسم منهم عملاء وقسم ناس عاديون دفع بهم قلة أماكن السكن للشراء أو الاستئجار بها، ربما أمر غير مقبول لكنها ليست دليل قاطع على العمالة.

تاسعًا: إذن كل ما يقال حول عائلته عن عمالة ليس إلا تخمينات، قرر مؤيدو داعش أنها حقائق قاطعة فقط، وهنا لا أبرئ العائلة لكن هنالك فرق بين أمر قاطع الثبوت وبين مجرد ظنون، فالظنون قد تخطئ وقد تصيب.

عاشرًا: أما الأسماء التي يقال أنها للخلية، فهي كلام فارغ لأنه كما أوضحت لن يطلعه الصهاينة على أسماء عملائهم المخفيين، وحتى لو كان الشاب جاسوسًا فعلًا فممكن أن يقول أي أسماء وممكن أن يتعمد الكذب لينتقم من أشخاص بإلصاق العمالة بهم.

حادي عشر: لكن مؤيدي داعش بدؤوا فورًا بتأكيد المعلومات، رغم أن بعض ممن ذكرت أسماؤهم مجرد اسم ثنائي وبدون صورة وقد تتشابه أسماء كثيرة معهم، فكيف تأكدوا أنهم هم المعنيون؟!

ثاني عشر: وكعادة داعش لا تدخل أرض المسلمين إلا بفتنة، فكان نشر أسماء هؤلاء الأشخاص، سببًا بتشويه أسماء أناس كثيرين وتشويه عائلاتهم، وتبادل اتهامات.
 
وفوق ذلك يردد مؤيدوا داعش الفلسطينيين نعرات مناطقية عنصرية، مثل القول بأن العملاء كلهم من فلسطينيي عام 1948 وليسوا مقدسيين، وأن الشاب من الضفة وليس مقدسيًا.
 
وكل ذلك لا يفيد إلا تعميق الحزازايات المناطقية، ومن أجل ماذا؟ من أجل أن يقولوا أن داعش لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! ولماذا الخوض في أصل ونسب العملاء؟ العميل عميل حتى لو كان من سلالة صحابي جليل.
 
لا معنى لأن يثيروا هذه النعرات المناطقية! وبالنهاية يقولون لنا: كفرنا بحدود سايكس بيكو!

ثالث عشر: الشاب محمد سعيد مسلم لا يوجد دليل قاطع على أنه عميل، وربما يكون عميلًا لكن عند الاتهام يجب أن يتوفر لديك دليل قاطع، لأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
 
أما الأسماء الأخرى فلا قيمة لها، وتردادها أو تصديقها إثم كبير لأنه قذف للأعراض بدون بينة، وأعراض الناس ليست لعبة لكي نلوثها من أجل صنم يقدسه البعض!

رابع عشر: وعلى الهامش أشير إلى أن العميل لا يعدم دائمًا، خاصة وإن لم يتورط بعمل قتل به أحد، والأصل محاولة إصلاحه وهدايته.
 
كما كان بإمكان داعش مبادلته بأسرى لدى الاحتلال الصهيوني، لكن كل هذه أمور ليست في حسابات داعش.

خامس عشر: وعلى فرض (جدلًا) أن كل الشكوك لم تكن في مكانها، والفيديو والاتهامات صحيحة 100%، فهذا لن يبيض صفحة داعش بالضبط مثلما لم تبيض صفحة حزب الله اللبناني محاربتهم للصهاينة ذات يوم.

ليست هناك تعليقات: