السبت، 14 فبراير، 2015

في التحقيق لأول مرة




الكثير من الشباب (أو الفتيات) يجدون أنفسهم في غرفة التحقيق (بالاعتقال أو الاستدعاء) لأول مرة دون أن يكون لديهم إعداد أو توعية كافيين، وهذا يوقعهم في رعب وخوف قد يستزل قدمهم نحو الاعتراف بأمور كان بالإمكان إنكارها بكل سهولة أو حتى الارتباط والعمالة.

كلامي بالدرجة الأولى عن التحقيق لدى الاحتلال أو السلطة لكن كل أنظمة التحقيق في عالمنا العربي متشابهة مع اختلاف بالتفاصيل.

عندما يجلس المحقق معك (في القضايا الأمنية والسياسية والمقاومة) فهو يفترض أنك كاذب ويعتبرك عدو له، فلا تجهد نفسك في إظهار حسن النوايا حتى لا تقع بالمحظور.

تظاهر أنك بريء وأنك تريد اثبات حسن النية لكن داخلك لا تجعل الموضوع يهمك، لأنه ما لم تصبح عميلًا كامل العمالة فلن يرضوا عنك.

سيكلمونك "بالصوت العالي" ويبالغون في حجم التهم الموجهة لك، وسيتهمونك بأمور فعلتها ولم تفعلها، وسيهددونك بالسجن وتفتيش المنزل واعتقال الأهل، لا تظهر لهم خوفك وإلا تمادوا معك، ولا تهتم فكلها تهديدات ولو أرادوا التنفيذ فهم لن ينتظروا منك شيئًا، سينفذونها مهما فعلت ومهما قلت.

يقولون لك "إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى"، هذا صحيح في التعاملات اليومية والاجتماعية، لكن في التحقيق فاكذب ثم اكذب ثم اكذب، قوي قلبك ولا تخاف، بل إن الصدق في التحقيق ببعض الأمور هو خيانة ومن الكبائر.
 
لا تخاف من انكشاف كذبك فلن يستطيعوا فعل شيء لو عرفوا أنك تكذب، أما إن صدقتك واستخرجوا منك المعلومة فلن تستطيع إعادتها ولو ندمت ألف عام على ذلك، وسيبقى اعترافك عارًا يلاحقك حتى بعد مماتك، إن استطعت أن تخفيه عن الناس فلن تخفيه عن ضميرك وعن رب الناس.

وهنا أريد أن أضرب مثلين شخصيين لأريكم كم الأمر سهل وبسيط لو توكلنا على الله وقوينا قلوبنا:

الأول: في أول مقابلة لي مع مخابرات الاحتلال، أحضر لي المحقق كتيب مأثورات وأدعية وسألني إن كان لي، وكنت أول مرة أراه فأنكرت أنه لي، فبدأ بالصراخ والتهديد والإصرار أنه لي وأني أكذب.

لوهلة ظننت أنه ربما يكون لي فأخذته وقلبته، كان كتيب أدعية عادي ولم أدر لماذا يصر أنه لي وتساءلت عن التهمة التي يريد "إلصاقها" بي، وأصررت على موقفي أني لا أعرفه.

طبعًا دار حديث حول أمور كثيرة وقتها لكن ما يهمنا هنا، عند مغادرتي واستلامي للأمانات كان معي شاب آخر سلموه أماناته ومن بينها كان كتيب الأدعية إياه!

لم أفهم وقتها لماذا عمل معي المحقق هكذا، فما دام الكتيب عاديًا وما داموا يعرفون أنه ليس لي، فلماذا عمل لي منه قصة وتهديد ووعيد؟

عرفت لاحقًا أن هذا من أساليبهم ليدرسوا نفسية المحقق معه، وحتى يروا صلابته النفسية واستعداده للتجاوب معهم ومع تهديداتهم، ومن أظهر لهم اللين من أولها ركبوه.

الثاني: في مقابلة وهذه المرة مع السلطة وبعد الحادثة الأولى بسنوات، كان في الجلسة ضابطي تحقيق واحد من المخابرات والآخر من الوقائي، لأن أجهزة أمن السلطة مثل "الضراير" يجب أن يثبت كل جهاز نفسه.

سألوني عن معلومة تخصني عادية ومعروفة للجميع لكن أجبتهم إجابة كاذبة والكذب كان واضحًا وضوح الشمس، والسبب هو قناعتي أنه لا يجب التعاون معهم أو إراحتهم في التحقيق حتى بالأمور المكشوفة.

ضابط الوقائي كان ابن حلال وقبل بالكذبة وسجلها كما هي، لكن ضابط المخابرات رفض وعنّد، وبدأنا حوارًا طويلًا حتى يجعلني أنطق الجوهرة، وضيعنا وقت الجلسة حول هذه الجوهرة التي يعرفونها.

بعد أن انتهينا، زعل ضابط الوقائي وقال لي "ليش كذبت علي"؟ ابتسمت ابتسامة بلهاء وبدأت أفكر بالكذبة التالية، لكن "ضرته" ضابط المخابرات أجاب عني واخترع كذبة نيابة عني، فقد كان مستعجلًا ليستجوب غيري، وقد ضاع الوقت على نقاش موضوع فارغ ولا قيمة مخابراتية له، والأهم من ذلك أنه لم يحصل لي شيء بسبب كذبتي، لأن الكذب هو الأصل في جلسات التحقيق إلا مع السذج والمغفلين.

طبعًا ضباط المخابرات دائمو الحرص على إقناعك بأن لديهم كل الوقت وأنهم لن يتركوك حتى تعترف بكل شيء، لكن تأكد وتيقن أنهم كاذبون، فيوجد لكل شيء وقت محدد وليسوا مستعدين لإضاعة الوقت عليك، وقد كتبت عن ذلك مقالًا بعنوان نظرية الليمونة: همسة في أذن كل معتقل فلا تكونوا سهلين بالتعامل.

والكثير من الأسرى الأذكياء يضيعون وقت المحققين على أمور تافهة في أيام اعتقالهم الأولى، وهذا أولى من نقاش المواضيع التي تهم ضابط المخابرات.

بعضهم يضيع الوقت وهم يرفض إعطاءهم اسمه الصحيح، ويقول لهم أنا لست فراس بل شقيقه فارس، ويضيع وقتهم في دوامة هل هو فراس أم فارس، وهو الكاسب بإذن الله وإن لم يكسب فعلى الأقل فقد أضاع وقتهم وأغاظهم وحرق أعصابهم (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله).

قوي قلبك وتذكر أن المحقق مجرد موظف أما أنت فصاحب قضية ومبدأ، ومن العار أن يهزم الموظف صاحب المبدأ.

ليست هناك تعليقات: