الأحد، 10 يناير، 2016

هل نحن أمام انتفاضة ثالثة أم هبة شعبية؟




منذ انطلاق انتفاضة القدس قبل أكثر من مئة يوم وهنالك جدل دائر حول اعتبارها مجرد هبة جماهيرية لشبان غاضبين سرعان ما ستهدأ، أم أنها تؤسس لمرحلة جديدة في الصراع مع المشروع الصهيوني يطلق عليها البعض مسمى الانتفاضة الثالثة.

هنالك من يلجأ للمقارنة بين انتفاضة القدس الحالية والانتفاضات السابقة، مثل الانتفاضة الأولى حيث يرى افتقار البعد الجماهيري في الانتفاضة الحالية، أو انتفاضة الأقصى حيث كانت العمليات أقوى وأكثر كثافة وأكثر إيلامًا في العدو الصهيوني.

بل يذهب البعض إلى أنها مجرد هبة بحجة أنه لا توجد أهداف واضحة ولا قيادة موحدة ولا استراتيجية متفق عليها، وهذا قياس فاسد لأنه لا الانتفاضة الأولى ولا انتفاضة الأقصى ولا هبة (أو انتفاضة) النفق كان لها أهداف واضحة معلن عنها، ولا قيادة موحدة ولا استراتيجية متفق عليها.

والواقع أن انتفاضة القدس تمزج في صفاتها بين الانتفاضات والمراحل السابقة، وتضفي بصمتها الخاصة، فوتيرة عملياتها أعلى من الانتفاضة الأولى، وكثافة العمليات الفردية تعطيها بعدًا شعبيًا فنحن نتكلم عن أكثر من 130 عملية فردية في الأشهر الثلاثة الأولى لانتفاضة القدس (ما بين عمليات طعن ومحاولات طعن وعمليات دهس) أي بمعدل عملية ونصف كل يوم.

وفي المقابل فالمظاهرات الجماهيرية أقل بكثير من الانتفاضة الأولى وبدايات انتفاضة الأقصى، للأسباب الآتية:


1)    القناعة لدى أغلب الناس أن المواجهات المباشرة غير مجدية كون الخسائر في الجانب الفلسطيني تكون عالية وفي المقابل خسائر الاحتلال شبه معدومة. 

2)    قلة نقاط الاحتكاك وبعدها عن مراكز الكثافة السكانية.

3)    وأخيرًا هنالك جهود أجهزة أمن السلطة لمنع هذه المواجهات وخاصةً منذ بداية شهر كانون أول وقد نجحت في ذلك بمناطق قلقيلية وطولكرم ورام الله.

وكأننا نرى الجماهير تستبدل المظاهرات والمواجهات بالعمليات الفردية (الطعن والدهس)، كما لا ننسى عمليات إطلاق النار وإلقاء العبوات الناسفة البدائية (المسماة بالأكواع)، وإلقاء الزجاجات الحارقة.

وهي كلها أعمال مقاومة أقل قوة من التي شهدناها في انتفاضة الأقصى وذلك لوجود قيود أمنية كبيرة، ولأن هنالك قطاعات من المجتمع ومن التنظيمات ما زالت مترددة في دخول الميدان لأسباب كثيرة أهمها الخوف من الفشل والانتكاس فتجربة انتفاضة الأقصى ما زالت ماثلة في ذهن الكثيرين.

وفي المقابل تجنب الاحتلال التوسع بالعقوبات الجماعية (على عكس الانتفاضات السابقة)، وهذا سلاح ذو حدين فمن ناحية يساهم بتحييد قطاع واسع من المجتمع الفلسطيني، فالعقوبات الجماعية تزيد من نسبة الالتحاق بالعمل المقاوم، ومن ناحية أخرى فعدم استنزاف المجتمع بالعقوبات الجماعية تترك له متنفسًا يطيل عمر الانتفاضة؛ أي بدلًا من أن تكون لدينا انتفاضة زخمة وقوية لكن قصيرة العمر يكون لدينا انتفاضة منخفضة الوتيرة لكن طويلة العمر.

أثر محدود أم نقطة تحول؟

وبعيدًا عن الخلاف حول المصطلحات نريد نقاش جوهر الخلاف: أي هل نتكلم عن أثر محدود تحت مسمى هبة شعبية أم عن تغير جوهري ومصيري تحت مسمى الانتفاضة الثالثة (أو انتفاضة القدس)، وإلى أين ممكن أن توصلنا هذه الانتفاضة.

لو تتبعنا مسار المقاومة خلال العام 2015م ومقارنته بالسنوات السابقة سنجد تصاعدًا في حدتها وقوتها (ونتكلم بالتحديد عن الضفة الغربية والقدس المحتلة)، فحسب الإحصائيات التي أجريناها في شبكة فلسطين للحوار نتكلم عن ارتفاع أربعة أضعاف بين عامي 2013م و2014م (من حوالي 800 نقطة مواجهات إلى 3700 نقطة مواجهات)، وفي عام 2015م نجد ارتفاعًا إلى حوالي 5900 نقطة.

وحسب تقارير جهاز الشاباك الصهيوني فهنالك ارتفاع حوالي 50% بعمليات المقاومة بين عامي 2013م و2014م.

وعندما نتكلم عن أعداد القتلى الصهاينة (في الضفة والداخل الفلسطيني) فقد ارتفعت من صفر قتلى عام 2012م إلى 6 عام 2013م إلى 19 عام 2014م إلى 29 عام 2015م، وهو أعلى معدل للقتلى الصهاينة منذ عام 2006م (عام انتهاء انتفاضة الأقصى) والذي شهد مقتل 30 صهيونيًا، وقد شهد عام 2008م مقتل 36 صهيونيًا في عمليات للمقاومة انطلقت من غزة والضفة معًا.

ارتفع عدد هجمات الزجاجات الحارقة من 636 هجمة عام 2014م إلى 1043 عام 2015م وهجمات الأكواع الناسفة من 75 عام 2014م إلى 193 عام 2015م، والطفرة الأكبر كانت في عمليات الطعن والدهس من 24 عام 2014م إلى أكثر من 130 عام 2015م.

نقطة التحول في العام 2015م بدأت مع حرق عائلة الدوابشة فمن معدل 310 نقطة مواجهات بين شهر 1 عام 2015م وشهر 7، ارتفعت إلى 412 في شهر 8 وإلى 523 في شهر 9، وإلى 1328 في الشهر الأول للانتفاضة قبل أن تنخفض إلى 792 في الشهر الثاني، و607 في الشهر الثالث.

كما شهدنا 28 عملية إطلاق نار في الأشهر التسعة التي سبقت الانتفاضة مقابل 95 عملية بعد انطلاقها، وقد بلغ عدد الشهداء 35 قبل الانتفاضة مقابل 146 بعدها (الأرقام حتى نهاية 2015م).

بالرغم من الانخفاض في العمل المقاوم بعد نهاية الشهر الأول إلا أننا ما زلنا بمعدل أعلى من الفترة التي سبقتها، وفي شهر 1 الحالي إن استمرت الأمور على نفس الوتيرة فنتكلم عن 450-500 نقطة مواجهات.

مما سبق نستنتج أن هنالك ازدياد في أعمال المقاومة بالضفة مستمر منذ عام 2013م (وفي القدس منذ عام 2010م)، وأن القفزة التي حصلت بعد انتفاضة القدس هي استمرار لذلك التصاعد الذي يغذيه انسداد الأفق السياسي وصمود المقاومة في حربي غزة عامي 2012م و2014م، والسعي المستمر لحركات المقاومة لتصعيد المواجهة في الضفة؛ وبالأخص حماس التي رصدتُ لها محاولت عديدة منذ 2013م من أجل تحريك الشارع في الضفة نصرة للمسجد الأقصى.

وبالتالي فإن انخفاض التفاعل الشعبي (أي المظاهرات والمواجهات) لن يؤثر على الارتفاع في عمليات المقاومة؛ ابتداءً من كمائن الحجارة والزجاجات الحارقة إلى العبوات الناسفة إلى عمليات الطعن والدهس وإطلاق النار، لأن هذه العمليات في منحى تصاعدي قبل الانتفاضة، والانتفاضة أعطتها دفعة مضاعفة.

وانخفاض التفاعل الشعبي طبيعي في ظل المعطيات الآتية:

أولًا: الجماهير نفسها قصير ولا تستطيع البقاء طويلًا في الشارع، فما بالكم عندما لا تكون كل الجماهير مشاركة من الأصل؟

ثانيًا: حملات الاعتقال المحمومة التي يشنها جيش الاحتلال في صفوف الناشطين والعناصر الفاعلة بالانتفاضة (حوالي 3 آلاف حالة اعتقال منذ بدء الانتفاضة).

ثالثًا: جهود السلطة المحمومة لقمع الفعاليات الشعبية السلمية وغير السلمية، بل إنها أصبحت تلاحق الصحفيين بتهمة التحريض على الأعمال المقاومة.

رابعًا: توجه المنخرطين في العمل المقاوم إلى أشكال يعتبرونها أكثر فاعلية من المظاهرات والصدامات المباشرة.

الانتفاضة إلى أين؟

ما دمنا نتكلم عن استمرارية في العمل المقاوم فنتساءل عن تأثيره على أرض الواقع، ومقدرة الحفاظ على هذا الزخم، حتى نستطيع القول أننا أمام مرحلة مفصلية وأمام انتفاضة ثالثة.

الانتفاضة كشفت عورة السلطة وخلقت لها أزمة وجودية، فلا مسار تفاوضي ولا حل سياسي ولا بدائل (مهما كان شكلها)، وهذا يشكل ضغطًا كبيرًا على حركة فتح وقواعدها الشعبية، ولن تستطيع السلطة السيطرة طويلًا على قواعد فتح الشعبية بهكذا ظروف.

والانتفاضة استطاعت وقف مشروع تهويد المسجد الأقصى وأدت إلى إبطاء عملية الاستيطان في الضفة (دون أن توقفها طبعًا) لكن كل هذا مرشح للانتكاس لو توقفت الانتفاضة، فهي إنجازات مؤقتة ولتكريسها يجب استمرار الانتفاضة ولو بوتيرة منخفضة.

والانتفاضة مرشحة للانتقال إلى داخل فلسطين المحتلة عام 1948م وهذا سيكون له تداعيات كبيرة فيما لو حصل وكلما طالت الانتفاضة كلما اقتربنا من هذه اللحظة.

فالمطلوب حتى نرى التأثير المطلوب سواء كان نقل قواعد حركة فتح الجماهيرية إلى مربع المقاومة، أو نقل الانتفاضة إلى الداخل الفلسطيني، أو وقف مشاريع الاحتلال التوسعية، هو الاستمرارية والاستنزاف المستمر للاحتلال، ولا يهم كثيرًا كثافة الاستنزاف بقدر ما يهم استمراره بوتيرة تصاعدية ولو بسيطة، بالإضافة للتوظيف الإعلامي الجيد.

عندها يمكن القول أن لدينا انتفاضة ثالثة حقيقية تساهم بتغيير موازين القوة على الأرض، أما كيف نحافظ على تصاعد وتيرة العمليات واستمرارية انتفاضة القدس، فهذا ما سأتناوله في مقال قادم بإذن الله.

ليست هناك تعليقات: