الأربعاء، 3 فبراير، 2016

اغتيال البطل مجددًا: الشهيد أمجد سكري






دأب الإعلام الفلسطيني وبالأخص الإعلام المتخاذل خلال انتفاضة القدس على التقليل من شأن عمليات المقاومة، إلى حد إنكار أن هنالك عمل مقاوم أو أن هنالك مقاومون أو أن هنالك حاجة أو رغبة لمقاومة الاحتلال.

وحتى عندما يأتي مقاوم ويعلن مسبقًا أنه يريد تنفيذ عملية بكلمات لا تقبل التأويل، ويستل مسدسه ويطلق النار على الجنود في الحاجز، مثلما فعل الشهيد أمجد سكري، يصر البعض على انحطاطه وسخافته وقذارته، فلا يجد حرجًا بتشويه الشهيد فقط ليقول لنا أن الشهيد ليس مقاومًا.

وذلك مثلما فعل جمال محيسن القيادي الفتحاوي الكبير، والذي قال أنه لا يظن أن الشهيد خطط لتنفيذ عملية لأنه "إنسان ناضج"، وأنه يعتقد أن جنود الحاجز "استفزوه" فأطلق عليهم النار كردة فعل (عنزة ولو طارت وباضت!).

أولًا: هل قتل شخص ما لنفسه بسبب استفزاز الآخرين له هو تصرف ناضج؟ أنا لا أعتبره كذلك وهذه إهانة للشهيد ولكل من يوصف بذلك.

فعندما يوجه لك إهانة شخص مسلح قادر وراغب بقتلك ولا مجال أمامك لفعل أي شيء، فأين الحكمة في الرد على استفزازه لكي يقتلك؟

لست ممن يقبلون الإهانة وكرامتي فوق أي اعتبار لكن لا أعرض نفسي للقتل لهذا السبب!! أضمرها في نفسي لأنتقم منه لاحقًا لكن لا أجعل من نفسي أضحوكة له ولسلاحه!

ثانيًا: الشهيد كتب على صفحته الفيسبوك ثلاث مرات بوضوح ما يشير إلى نيته تنفيذ عملية استشهادية، وإحداها والتي كتبها قبل العملية بدقائق كتب بيانًا سياسيًا بليغًا يوضح سبب العملية، وسبب إقدامه على عمل سينتهي بمقتله.
 
فما دام الاحتلال موجودًا فلا شيء على هذه الأرض يستحق الحياة، يجب أن يضحي شخص ما لكي يعيش الآخرون، ولكي ينتصر الآخرون، وقرر أن يضحي من أجل غيره، ربما لا يستوعب لاعقي أحذية الاحتلال معنى التضحية من أجل الغير أو البذل أو العطاء أو الإيثار، لذا فسره محيسن بأنه فعل "غير ناضج".

فالفعل الناضج في عرف الخرفان هو أنه ما دام العلف متوفرًا فلا داعي لفعل أي شيء.

ثالثًا: نظرات الشهيد الحزينة في صورته الأخيرة أفسرها بمعانٍ كثيرة؛

فهي لشخص يدرك أنه بعد لحظات سيفارق الحياة، وهذا التصرف الطبيعي والذي يجب أن يكون، فمهما قلنا أننا زاهدون بالدنيا لا أحد (طبيعي) يغادرها مختارًا، لكنه مع ذلك أصر وأكمل الطريق نحو الحياة الآخرة لأنه اتخذ قرارًا واعيًا بأنه لكي تعيش أمة يجب أن يضحي بنفسه.

على الأكيد كان قلقًا بأن لا تنجح عمليته ولا تنطلق رصاصاته فهو شخص يريد الانتصار يريد الحياة لشعبه وأمته، فهل يضيع أغلى ما يملك (حياته) ولا يحقق الانتصار لشعبه؟

وربما كان قلقًا على أبنائه الذين سيتركهم وراءه، من سيربيهم؟ من سيهتم بهم؟ من سيرعاهم حتى يكملوا تعليمهم ويبلغوا أشدهم؟ من ومن...

لكنه انطلق على أمل أن يكون جسده الجسر الذي يعبره أبناؤه وأبناء غيره لتحرير هذه الأرض، وبدون جسده وأجساد الشهداء، سيصبح أطفاله وأطفالنا جميعًا غرباء على هذه الأرض، سيصبحون مثل العمال البنغال في الإمارات، ولربما تقاذفتهم قوارب اللجوء في أعالي البحار بعد أن يطردهم الصهاينة.

رابعًا: لم أكن يومًا في حياتي عاطفيًا، بل أعتبر نفسي "عقلانيًا" زيادة عن اللزوم، لكنها عقلانية البشر لا عقلانية الخرفان، عقلانية تدرك أن ما فعله الشهيد هو تضحية بأغلى ما يملك من أجل أن يعيش أطفاله وإخوانه وشعبه حياة أفضل في المستقبل، ومن أجل أن يكون وقودًا للمستقبل.

خامسًا: العمل الثوري والعمل المقاوم محتاج لشيء من الاندفاع والجسارة، أو الجنون كما يسميه البعض، وحسابات العقل في العمل الثوري تنطبق فقط على الجماعة الثورية (أي لا يجب أن ترتكب هذه الجماعة فعلًا يدفعها للفناء) حتى تبقى في الميدان.

 أما حسابات الأفراد فيجب أن يكون فيها الكثير من نكران الذات، ومن كان يحب ذاته كثيرًا فلا عيب في ذلك، لكن لا يحسب نفسه على حركة تحرر وطني ولا يصف نفسه بالثائر أو المقاوم، لأنه لا يصح أن تذهب عاهرة إلى مسجد لتمارس عملها.


ليست هناك تعليقات: