الأحد، 7 فبراير، 2016

صلاح الدين ينظم المسيرات نصرة للقدس




يستخف الكثيرون هذه الأيام بالمسيرات والمظاهرات (السلمية وغير السلمية) بحجة أنها بدون جدوى، ولا تحرر فلسطين ولا غير فلسطين، وأنها تصلح فقط في الدول الديموقراطية للتعبير عن الرأي ولا تصلح للحروب والصراعات الكبرى.

لذا نجد عزوفًا عند الكثيرين عن المشاركة بالنشاطات الجماهيرية والمسيرات الشعبية، بل ونجدهم سخّروا أنفسهم لتثبيط غيرهم بحجة أنه "كلام فاضي ومضيعة وقت وملهاة عن الجهاد والمقاومة المسلحة" وغير ذلك.

لكن ماذا كان سيقول هؤلاء لو عرفوا أن صلاح الدين الأيوبي وغيره من السلاطين الأيوبيين والمماليك كانوا ينظمون المسيرات نصرة للقدس ضمن صراعهم مع الصليبيين؟

صحيح أن الفعل الرئيسي كان الجهاد المسلح والمعارك التي خاضوها ضد الصليبيين، لكن ما كان لذلك أن ينجح لولا الإجراءات المساندة، ومن بينها المسيرات التي كان ينظمها المسلمون في ذلك الزمن.
 
لم يكن يسمونها مسيرات بل كانت تسمى مواسم، وبالتحديد موسم النبي موسى، وهي بحاجة لوقفة منا حتى نفهم تعقيد الصراع مع الصليبيين في ذلك الوقت، وحتى نعرف يقينًا أن صراعاتنا مع الاحتلال والاستبداد بكافة أشكاله هي صراعات طويلة وممتدة ولا تحل بالضربة القاضية.

ما هو موسم النبي موسى؟

هو عبارة عن احتفال ديني يقام في شهر نيسان من كل عام، بوقت متزامن مع عيد الفصح لدى المسيحيين، وهو توقيت غريب لاحتفال إسلامي حيث أن المناسبات الإسلامية تعقد حسب التواريخ الهجرية وليس الميلادية.

عيد الفصح عند اليهود هو للاحتفال بخروج بني إسرائيل من مصر بقيادة موسى عليه السلام (وترتبط لدى المسيحيين أيضًا بأحداث في حياة المسيح عليه السلام) ويوازيه لدى المسلمين يوم عاشوراء، لكن لماذا لم ينظم موسم النبي موسى في ذكرى عاشوراء بل في وقت متزامن مع عيد الفصح؟

يقول الباحثون أن الهدف كان استعراض قوة المسلمين أمام الصليبيين الذين كانوا يحجون إلى القدس في وقت عيد الفصح، حيث كانت تأتي وفود المسلمين المحتفلين بموسم النبي موسى إلى القدس، ويدخلون المدينة عبر باب الخليل ويسيرون في موكب (مسيرة) داخل المدينة إلى باب العامود، واختيار باب الخليل يبدو أنه كان مقصودًا لكي يمر الموكب من حارة النصارى.

البناء الحالي لمقام النبي موسى أنشئ في عهد الظاهر بيبرس

ومن باب العامود كان يخرج الموكب إلى مقام النبي موسى والذي يقع في منطقة الخان الأحمر، وهي منطقة صحراوية بين القدس وأريحا، وكانت ترفع فيه الأعلام الإسلامية والبيارق الخاصة بالعائلات المقدسية (حتى نهاية العهد العثماني كانت العائلات بمثابة الأحزاب السياسية ولها راياتها وممثليها وتزاحم على المناصب القيادية).

وإن كان بعض المؤرخين قال أن موسم النبي موسى بدأ بعد صلاح الدين الأيوبي لكن المتفق عليه أنه بدأ في عهد الدولة الأيوبية، وكان يهدف إلى استعراض قوة المسلمين أمام الصليبيين الذين كان لهم وجود قوي سواء داخل المناطق التي حررها صلاح الدين أو في المناطق المحتلة.

فالصليبيون لم يغادروا فلسطين وبلاد الشام بعد معركة حطين، وبقي لهم وجود قوي سواء من حيث الوجود العسكري أو الوجود الديموغرافي (السكاني)، وكان هم السلاطين الأيوبيين ومن بعدهم المماليك هو تحجيم الصليبيين ومنع عودتهم، وقد كان هذا هاجسًا كبيرًا للماليك تحديدًا بسبب تحركات الأساطيل الأسبانية والبرتغالية وغاراتهم على البلاد الإسلامية، ومنها غارات استهدفت يافا.

عمل الأيوبيون ومن بعدهم المماليك على إعادة الطابع الإسلامي إلى المناطق المحررة، وتعزيز هذا الطابع بشكل أقوى من خلال إجراءات عديدة من بينها توطين عشائر وعائلات كردية وتركمانية وشركسية وعربية وغيرها من أجل تعزيز الوجود الديموغرافي (السكاني) المسلم في فلسطين.

كما كانت المواكب (المسيرات) الدينية فرصة لفرض الطابع الإسلامي العلني على الأجواء، ولم يقتصر الأمر على تنظيم موسم النبي موسى بل كان هنالك موسم النبي صالح ويعقد في الرملة وفي وقت متزامن مع أعياد مسيحية (سبت النور والجمعة العظيمة)، وموسم النبي روبين قرب يافا في شهر آذار (قبيل بدء احتفالات المسيحيين بأعياد الفصح)، والملاحظ أن هذه المواسم أقيمت على الخط الذي يسلكه الحجاج المسيحيون من يافا إلى القدس.

وأسلوب المواكب الدينية كان شائعًا في أوروبا المسيحية وخاصة في القرون الوسطى، وما زال موجودًا حتى اليوم في بعض المناطق مثل إيرلندا الشمالية حيث يوجد صراع كاثوليكي بروتستانتي، ويحرص كل منهما على تنظيم مواكب في مناسباته الدينية وكانت هذه المواكب سببًا للصدام خلال صراع الكاثوليك لاستقلال إيرلندا عن بريطانيا (البروتستانتية).

موسم النبي موسى في العصر الحديث:

استمر الموسم طوال العهد العثماني وصولًا إلى الاحتلال البريطاني، وكان خروج موكب الموسم عام 1920م سببًا للصدام مع المستوطنين الصهاينة، عندما هجم أحد المستوطنين على الموكب وحاول إنزال علم الثورة العربية، فقتله المشاركون بالموكب واندلعت مواجهات استمرت عدة أيام أطلق عليها انتفاضة موسم النبي موسى، وتعتبر أولى الانتفاضات الشعبية في وجه الاحتلال البريطاني.

موسم النبي موسى بداية القرن العشرين

إلا أن أهمية الموسم تضاءلت خصوصًا بعد نكبة فلسطين وانهيار النظام السياسي التقليدي الفلسطيني، وبروز الأحزاب القومية واليسارية التي حاربت الظواهر الدينية، وعندما ظهر التيار الإسلامي لم يهتم بالموسم كونه يعتبر من البدع الدينية.

لكن فكرة المسيرات والمظاهرات كانت موجودة دائمًا، فهي الأداة التي تحشد فيها التنظيمات الجماهير من أجل دعم القضايا المختلفة، وهي ليست عبثًا أو كلامًا فارغًا كما يتصور البعض، هي ليست رأس حربة المقاومة والجهاد هذا صحيح لكنها عملية ضرورية من أجل رفد المقاومة والجهاد بالمقاومين والمجاهدين.

فمن أين بالله عليكم سيأتي أولئك المستعدين للتضحية بأرواحهم في سبيل الله؟ من أين أتى أكثر من مئتي استشهادي في انتفاضة القدس (منهم من استشهد ومنهم من أسر)؟ هل تعتقدون أن هنالك "كبسة زر" تحولهم من أشخاص خاملين إلى أبطال يضحون بأنفسهم؟

المسيرات لها دور في تعريف الناس بطبيعة القضية، وفي شحن عواطفهم ومشاعرهم، ودفعهم للتحرك والذي يبدأ بمسيرة ثم بإلقاء حجارة وبعدها ندخل في مستويات أعلى، أما أن تعتقدوا أن الجالس في بيته سيخرج في اليوم التالي حاملًا بندقية فأنتم واهمون.

كما أن المسيرات لها دور في إقناع المترددين أن هنالك جمهور للمقاومين والمجاهدين، وأنهم ليسوا حفنة كما تروج الحرب النفسية للعدو، ولها دور أيضًا في إضعاف معنويات العدو عندما يرى كل هذه الجماهير الهادرة تهتف غاضبة نصرة للمسجد الأقصى أو القدس، صحيح أن هذه الجماهير لا تطلق النار لكن صراخها وهتافها جزء من الحرب النفسية ضد العدو.

في الختام:

أي عمل مقاوم أو جهادي سواء كان لتحرير أرض محتلة أو الإطاحة بنظام استبدادي مجرم، ليس مجرد حمل سلاح بل يأتي ضمن عملية طويلة ومركّبة تهدف لكسب عقول وقلوب الأنصار والمحايدين، حتى توجد لديك قاعدة شعبية تعوض من يسقطون في الجبهات أو يقعون في الأسر، وحتى تضعف دافعية العدو للقتال، وحتى تستقطب المحايدين فمن لم يحارب معك على الأقل لا يكون ضدك.

والعملية معقدة جدًا وليست مجرد بيانات أو إعلانات يتناقلها الإعلام، والمسيرات والمظاهرات هي جزء جوهري في هذه العملية، وقد أدرك أهميتها صلاح الدين الأيوبي ومن جاء خلفه من سلاطين وملوك.

ويدرك العاملون في المجال التنظيمي اليوم أيضًا أهميتها وهم يسعون لتنظيمها ليس ترفًا أو "فضاوة بال" بل لأن هنالك مردودًا من ورائها، كما يدرك الاحتلال الصهيوني وسلطة محمود عباس خطرها لهذا يحاولون محاصرة الفعاليات الشعبية لانتفاضة القدس، فهل تظنون أنهم يتسلون بمنعها؟! أم أنهم يدركون أن ما يبدأ بمسيرة سينتهي بعملية؟

ليست هناك تعليقات: