الاثنين، 21 ديسمبر، 2015

كلمة حول موقف حماس من اغتيال القنطار وعلاقتها بإيران وحزب الله




ثارت ضجة كبيرة حول إدانة حركة حماس لاغتيال سمير القنطار فجر الأحد في غارة جوية صهيونية، ومن قبلها توجيه إسماعيل هنية كلمة مسجلة إلى الشعب الإيراني يطلب منه دعم انتفاضة القدس والقضية الفلسطينية.

ولا شك أن الموقف معقد ما بين ضرورة حشد الأمة الإسلامية ضد الاحتلال الصهيوني، وبين تورط إيران وحزب الله في الجرائم ضد الشعب السوري، خاصة وأن الاستقطاب في سوريا وصل حده الأقصى ولا مجال للمواقف التوفيقية.

موقف حماس ودورها:

أولًا: تعتبر القضية الفلسطينية هي قضية الأمة الإسلامية المركزية، وتحرص على أن تكون سببًا لتجميع الأمة لا فرقتها، لذلك تمتنع عن عدم الدخول في محاور أو الاستقطابات العربية أو التدخل في الخلافات الداخلية.

ثانيًا: بسبب قوة وتغول الاحتلال الصهيوني وتمتعه بدعم أمريكا والعالم الغربي، ترى حماس أن مهمتها هو كسب أكبر عدد ممكن من الأصدقاء أو تحييد الأعداء وعدم اكتساب أعداء جدد.

وموقف حماس الحالي لا يحسد عليه من حيث الحصار والتضييق الشامل على الحركة في غزة وخارج غزة، ولهذا حرصت طوال الوقت على إبقاء شعرة معاوية بينها وبين النظام الإيراني وحزب الله.

ثالثًا: استغلال أي فرصة للتضييق على الاحتلال الصهيوني سواء إعلاميًا أو سياسيًا أو ميدانيًا.
 
وللعلم لدى حماس خطة تطبقها منذ فترة للتواصل مع أكبر قدر ممكن من دول العالم، وضمن هذا الإطار جاء خطاب هنية للشعب الإيراني، وكانت هنالك رسائل مماثلة إلى تركيا والسعودية، وزيارات إلى ماليزيا وجنوب إفريقيا، وغير ذلك.

حماس توجهت إلى الشعب الإيراني تطالبه بدعم انتفاضة القدس، فهل هذا يضر الثورة السورية؟ وحماس أدانت العربدة الصهيونية في سماء سوريا فهل التدخل الجوي الصهيوني مطلب للثورة السورية؟

لو أرادت حماس التملق والتزلف للنظام الإيراني وحزب الله لأشادت بالحرب التي يشنونها في سوريا ضد ما يسمى الإرهاب (الثورة السورية) لكنها لم تتطرق بالمرة للوضع السوري الداخلي سواء في خطاب هنية أو بيان إدانة اغتيال القنطار أو غيرها من المواقف.

إذن حماس لم تخرج عن دورها الذي رسمته لنفسها وهو حشد الأمة وراء القضية الفلسطينية، وتحريض العالم ضد الكيان الصهيوني، بل على العكس هي تحرج إيران وحزب الله بطريقة غير مباشرة عندما تطرح هذه القضايا، فهي تطلب منهم التفرغ للدفاع عن الأقصى وفلسطين، والدفاع عن سوريا في وجه الطيران الصهيوني.

وطريقتها هذه أقوى وقعًا في النفس من التقريع والاتهام المباشر، لأن النفس الإنسانية ترفض أن توجه لها اتهامًا مباشرًا بأنها مقصرة (بحق القضية الفلسطينية)، لكن عندما تدعوهم لنصرة فلسطين وهم منشغلون بحروبهم الطائفية فأنت تشعل نقاشًا داخليًا لمن كان لديه ضمير، أم كان بلا ضمير أو يعتبر مشروعه الشيعي الطائفي أهم من فلسطين والأقصى فقد اقامت عليه الحجة.

حماس والثورة السورية

أن يأخذ بيانًا صحفيًا كل هذه الضجة والإدانات والانفعالات، بل يذهب البعض ليتهم حماس بأنها السبب وراء التمدد الإيراني في المنطقة العربية كلها فهذا أمر مفتعل ومبالغ فيه.

وما قدمته حماس للثورة السورية بعيدًا عن الإعلام أكثر مما قدمه كل المزايدين، وبالأخص تدريب فصائل ثورية سورية على يد أبناء حركة حماس في سوريا، مثل أجناد الشام وفيلق الشام (إخوان مسلمين) وأحرار الشام (سلفية معتدلة) وفصائل أخرى أصغر حجمًا، وهذا التدريب اعترفت به بعض هذه الفصائل وتكلمت عنه في العلن.

ولا ننسى أكناف بيت المقدس وهو فصيل فلسطيني في جنوب دمشق يحارب إلى جانب الثورة السورية ويترأسه محمد الزغموت (أبو أحمد المشير) وهو المرافق السابق لخالد مشعل، وأغلب أعضاءه من أبناء حماس ومن بينهم المسؤول الأمني السابق مأمون بشر الجالودي وهو مرافق سابق أيضًا لخالد مشعل، وهو الآن أسير لدى النظام السوري.

لا أزعم أن هنالك قرار رسمي في حماس بإنشاء الأكناف أو تدريب الفصائل السورية، لكن ما كان أن يتم ذلك لو لم يرض قيادة الحركة، وهذا السبب الحقيقي للخلاف بين حماس والنظامين السوري والإيراني، وليس ما يقال عن حياد الحركة أو خروجها من سوريا.

فحركة الجهاد الإسلامي تتخذ موقف الحياد ولم يغضب منها النظام السوري لكن النظام غضب على حماس بسبب دور أبنائها العملي والميداني في دعم الثورة السورية (سواء عسكريًا أم إغاثيًا) وقيادة الحركة لم تطلب منهم التوقف عن ذلك فخرجت من سوريا وخسرت الكثير من وراء ذلك.

بالتالي فحماس تقدم الدعم وتتعاطف مع الثورة السورية لكنها لا تجاهر بذلك لأنها لا تريد التشويش على رسالتها الأكبر (تحرير فلسطين)، ولأنها لا تريد أن تقطع شعرة معاوية مع النظام الإيراني، وهذه استطاعتها.

وبالمثل فأردوغان يقدم للقضية الفلسطينية وللثورة السورية لكن لديه حدود لما يستطيع تقديمه، فلا نلومه على ما يعجز عليه أو يضطر له، هو لديه علاقات مع الكيان الصهيوني وتركيا عضو في الناتو، ولا نزايد عليه لأن هذه استطاعته.

أين المشكلة إذن؟

وحماس ليست دولة عظمة ولا حتى دويلة صغيرة، هي مجرد حركة تحرير بقدرات بسيطة وبأعداء كثر وجبارين، فلماذا تحميل كلامها بأكبر مما يحتمل؟

لو تتبعنا الأمر فهنالك من يتربص بالحركة منذ بداية الثورة السورية ويتصيد لها الأخطاء حتى لو كانت كلمة في بيان، وأغلبهم من خصوم الحركة سواء كانوا من السلفية الجهادية التي أغرقت الساحة السورية بالمزايدات ونشرت ثقافة التخوين، ولم تترك جهة أو شخصية أو تنظيم إلا وخونته وزايدت عليه، بالإضافة لاستغلال إعلام فتح ومخابرات أنظمة عربية متعددة وضع حماس في سوريا من أجل إحراجها وحرقها أمام الجماهير.

وللأسف الكثير من أبناء الحركة ومؤيديها وقعوا في الفخ، كما وقعوا في فخ مرسي سابقًا عندما نشرت رسالة "صديقي بيريس"، وحرقوه حرقًا بينما كان هو الرئيس المصري الوحيد الذي دعم الشعب الفلسطيني بالفعل وبالأخص موقفه في حرب غزة الثانية عام 2012م، واليوم فلسطين تبكي دمًا على رحيله.

وللأسف لم يتعلموا الدرس حتى اليوم وما زالوا مطية لمزايدات الآخرين، وتتم تصفية الحسابات مع حماس والإخوان المسلمين من خلالهم، فهل يستحق بيان كل هذا الردح؟

وجهة النظر المقابلة:

ولماذا لا نحاكم الثورة السورية بنفس المقاييس التي تحاكم بها حماس؟ ألا يتعالج الثوار السوريون في المستشفيات الصهيونية؟ يعالون وزير الحرب الصهيوني قال أن شرط استمرار العلاج هو ضمان هذه الفصائل الهدوء على حدود الجولان.

وللعلم تعاقب على المنطقة الحدودية مع الجولان النظام وداعش وجبهة النصرة وفصائل ثورية سورية مختلفة، ولم يطلق أي منهم رصاصة واحدة على الكيان الصهيوني، بل أكثر من ذلك لا توجد أي جهة سوريا ثورية عسكرية أو مدنية قالت أن هدفها محاربة الكيان الصهيوني أو تحرير الجولان أو فلسطين، بل عندما يواجهون بهذا السؤال يتهربون من الإجابة.

لا ألومهم وأتفهم وضعهم لكن لو حاكمناهم بنفس المعييار التي تجلد بها حركة حماس لأخرجناهم من الملة، وهذا دليل على أن الحملة ضد حماس مفتعلة وليست بريئة، وليس الهدف منها حماية الثورة السورية.

حراس الفضيلة:

ربما في بعض كلمات هنية أو بيانات حماس مبالغة أو مجاملات لا لزوم لها، لكن هل يستحق ذلك جلد حماس وتخوينها والمزايدات التي نسمعها؟ ومن منا لا يستخدم المجاملات في حياته اليومية والاجتماعية والسياسية؟ هذا أمر غير محمود لكن هذه الحياة!

قد ننصح حماس في الغرف المغلقة أن هذه الكلمة وذلك الحرف لم يكن لهم داعي، لكن لماذا الفضح؟ أنت تفضح خصمك وليس صديقك، أتفهم سعي المرء ليثبت أنه على صواب على حساب خصمه، لكن أن يسعى لإثبات أنه على صواب على حساب صديقه، فالمعذرة فهذه نذالة.

هنالك الكثير يمكن قوله بخصوص الأداء الإعلامي لحماس ليس فقط في القضية السورية بل أيضَا في القضايا الفلسطينية الداخلية، لكن هل تصيد الهفوات الإعلامية يأتي من حريص أم من عدو يا حراس الفضيلة؟ وهل النصيحة تكون بالمزايدات وعدم تفهم المواقف؟

الذي استفدناه من حملة التخوين والاتهام لحركة حماس هو التشويش على رسالتها التي تريد حشد الدعم للقضية الفلسطينية ومحاصرة الاحتلال، وأصبح تدخل الاحتلال في بلداننا العربية وجهة نظر وفضيلة، وأيضًا خدموا النظام السوري وإيران وحزب الله عندما أظهروا بأن الثورة السورية والكيان الصهيوني في صف واحد (أليس هذا إدعاء إيران والأسد؟)، وكل ذلك من أجل أن يظهر بعض الأفراد في مظهر حراس الفضيلة.

وما لم نتعلم أن يعذر بعضنا البعض، وأن المزايدات الداخلية تضر الجميع ولا يستفيد منها إلا أعداء الأمة الإسلامية، فسنبقى نكرر ذات الأخطاء وتذهب تضحياتنا سدى المرة تلو الأخرى.

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

مططت مسألة الاضطرار ممن هو في أرض محتلة منذ 100 عام وتوافد عليها الصهاينة منذ 150 عاما وتآمرت عليها الدول العظمى وهيئة الأمم وتخاذل عن تحريرها المسلمون، حتى وصلت إلى رئيس دولة مستقلة مثل أردوغان ومرسي، فجعلتهما مضطرين لإبقاء أي علاقة لتركيا ومصر بدولة العصابات الإرهابية اليهودية في فلسطين والجولان المسماة إسرائيل، فأفسدت أصل الموضوع.
حبذا لو حددت لنا كيف نستنتج أن شخصا ما صنع أمرا اضطرارا، وإلا فإن كل فتاة بأبيها معجبة، والأعذار لا تفنى ويمكن استحداثها، وحينها سيكون حتى سمير القنطار مضطرا للوجود في سورية لسبب مقبول، وربما حتى حماية نظام الأسد من السقوط مهما كانت التبعات ستكون مبررة، بل قد تصل إلى أن بشار الأسد وسلمان آل سعود مضطران لقصف المدنيين لأسباب بعيدة المدى لا يدركها أمثالنا، وإلى أن هناك غايات تبرر استخدام كل الوسائل الدنيئة للوصول إليها.

ياسين عز الدين يقول...

عجزك عن التفريق بين المضطر والمختار يعود لخلل في فهمك.
ومساواتك بالمجرم الذي يضطر لعمل شيء مع من يقوم بعمل صالح ويضطر لعمل شيء آخر، وكأنهما واحد يدل على فهم سقيم.
انتقادنا لبشار الأسد لأنه مجرم ابتداءً و"اضطراره" لقتل شعبه حتى يستمر إجرامه الأصلي هو خطأ فوق خطأ، وليس مثل من يريد الإصلاح فيضطر للتعايش مع العوج الموجود إلى حين.