الأحد، 20 ديسمبر، 2015

بين الانتفاضة الأولى وانتفاضة القدس: القضية الفلسطينية إلى أين؟





قدم الشعب الفلسطيني منذ بدء الانتفاضة الأولى حتى اليوم ما بين 10 آلاف و11 ألف شهيد، ومئات آلاف الجرحى (منهم عشرات الآلاف المعاقين)، وأكثر من 300 ألف حالة اعتقال، كما قتل ما بين 1500 و2000 عميل، وما بين 1600 و1800 قتيل صهيوني وآلاف الجرحى والمعاقين الصهاينة، بالإضافة لمقتل حوالي 400 إلى 500 فلسطيني في الصراعات الداخلية.

وشهدنا خلال الثمانية وعشرين عامًا الماضية الانتفاضة الأولى واتفاقية أوسلو وهبة النفق، ثم انتفاضة الأقصى تلتها انتخابات المجلس التشريعي وأحداث الانقسام، وحروب غزة الثلاثة، وأخيرًا (وليس آخرًا) انتفاضة القدس.
قتل أكثر الشهداء في انتفاضة الأقصى وحربي غزة الأولى والثالثة، فيما قتل أغلب العملاء في الانتفاضة الأولى، وسقط أكثر قتلى الصراعات الداخلية في أحداث الانقسام بين حماس وفتح، وبلغ عدد الأسرى حده الأقصى في الانتفاضة الأولى وتراوح بين 12 ألف و14 ألف أسير، ونهاية انتفاضة الأقصى مع حوالي 11 ألف أسير، ووصل عددهم حده الأدنى قبيل انتفاضة الأقصى بحوالي 1500 أسير.

والسؤال الذي يطرح اليوم أين وصلنا بالقضية الفلسطينية بعد كل هذه الانتفاضات والحروب؟ وهل تستحق الإنجازات التي تم تحقيقها كل هذه التضحيات؟ وأين أخطأنا وما الذي يجب تصحيحه حتى نتلافى أخطاء الماضي؟

خلفية تاريخية:

بعد نكبة فلسطين عام 1948م وإعلان قيام ما تسمى بدولة إسرائيل توقع تقرير للمخابرات الأمريكية (CIA) بأن دولة إسرائيل لن تعيش أكثر من عامين وستنهار تحت وطأة حرب العصابات.


إلا أن حرب العصابات تلك لم تندلع أصلًا ولم يكن هنالك مقاومة لوجود الكيان الصهيوني بعد توقيع اتفاقية الهدنة عام 1949م، وكان الرهان على الأنظمة العربية أن تتولى مهمة تحرير فلسطين، وبالأخص الأنظمة العربية الثورية التي صعد نجمها في الخمسينات.

ورغم ذلك كان هنالك أعمال مقاومة من قبيل "سرقة" المحاصيل الزراعية أو المواشي في المناطق المحتلة، وعمليات محدودة لبعض الفصائل التي لم تعمر طويلًا مثل شباب الثأر.

كان تعامل الاحتلال الصهيوني مع هذه الأعمال شديد القسوة، وارتكب مجازر ردًا عليها خلال فترة الخمسينات، مثل مجزرة السموع، ومجزرة قبيا، ومجزر خانيونس، وفي المقابل لم يكن النظامان الأردني ولا المصري (المتحكمان بالضفة وغزة) يتسامحان مع أي عمل مقاوم حتى لو كان عبارة عن "سرقة" مواشي من المناطق الحدودية.

ورغم أنه كان هنالك مطالبات بتسليح المناطق الحدودية لحمايتها من هجمات الاحتلال، وأبرزها المظاهرات التي تلت مذبحة السموع عام 1966م، إلا أن سيطرة الأحزاب القومية (الناصرية والبعثية بجناحيها) ترك الجماهير تراهن على الأنظمة العربية بدلًا من السعي لمحاربة الاحتلال بنفسها.

بعد هزيمة حرب عام 1967م انهار المشروع القومي والثورجي، وتلقت التنظيمات الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح دفعة قوية، خاصة وأن حركة فتح كانت تؤمن بأنه يجب على الفلسطينيين تولي إشعال الحرب مع الاحتلال الصهيوني لجر الأنظمة العربية إلى محاربته.

وتلقت حركة فتح دفعة ثانية بعد معركة الكرامة عام 1968م أوصلتها إلى الواجهة الفلسطينية وأدخلتها منظمة التحرير، إلا أن حركة فتح منذ نشأتها اعتمدت على شن عمليات من خارج فلسطين، فكانت أولى عملياتها عام 1965م انطلاقًا من سوريا، وفي الفترة التي تلت النكسة أسست قواعد لها في الأردن وجنوب لبنان.

وبالتالي كان الداخل الفلسطيني مجرد امتداد للمقاومة العسكرية الخارجية وتحديدًا في الضفة الغربية، وبعد القضاء على الوجود الفلسطيني بالأردن عام 1970م ماتت معها جبهة الضفة، بينما تولت المقاومة في غزة بقايا جيش التحرير الفلسطيني الذي أسسه عبد الناصر، إلى أن تم القضاء عليها في ما عرف بحرب البيارات عامي 1970م و1971م.

بقي العمل المقاوم متمركزًا خارج فلسطين ورغم ذلك حصلت بعض العمليات في الداخل (وأغلبها بتوجيه من الخارج) مثل عملية تفجير الثلاجة في تل أبيب للمرحوم أحمد أبو السكر عام 1975م، وعملية الدبويا في الخليل عام 1980م.

مع بداية الثمانينات طرأت عدة متغيرات:

أولًا: قررت حركة فتح استثمار شعبيتها ومد نفوذها من الخارج إلى الضفة وغزة، وانخرطت بالعمل الجماهيري ودخلت الانتخابات النقابية والجامعات، وحركة فتح كانت أقرب للمجتمع الفلسطيني المحافظ من التنظيمات اليسارية التي كانت حتى ذلك الوقت هي المسيطرة على الساحة الداخلية.

ثانيًا: وصول المد الإسلامي إلى داخل فلسطين، رافقه حراك داخلي في صفوف الإخوان المسلمين عبر ضغط القاعدة الإخوانية باتجاه البدء بالعمل الجهادي وعدم انتظار التحرير الخارجي.

ثالثًا: كان المفصل هو اجتياح لبنان عام 1982م وطرد المنظمات الفلسطينية من الجنوب اللبناني، بحيث باتت القضية الفلسطينية بلا أفق للحل وأصبح تحرير فلسطين أبعد من أي وقت مضى.

رابعًا: إنشاء الجامعات وانتشارها وتحولها إلى حاضنة للعمل الوطني في الضفة وغزة.

خامسًا: تسارع عملية تهويد الضفة وغزة سواء من ناحية إنشاء ما تسمى بـ "الإدارة المدنية ليهودا والسامرة وغزة"، والتي هدفت للتدخل بالحياة اليومية للمواطن الفلسطيني، أو من ناحية تسارع الاستيطان وبالأخص بعد الانسحاب من سيناء سنة 1982م.

وهكذا شهدنا هبة المساجد عام 1982م على خلفية محاولة عصابات صهيونية تفجير المسجد الأقصى، ثم بدأت الاحتكاكات والهبات الشعبية القصيرة تتزايد عامًا بعد عام، ووصلت ذروتها عامي 1985م و1986م، وتخلل ذلك بعض العمليات المسلحة مثل عملية باب المغاربة عام 1986م، وهروب بعض أسرى الجهاد الإسلامي من سجن غزة ثم اشتباكهم مع جيش الاحتلال في الشجاعية عام 1987م.

الانتفاضة الأولى:

في الأيام الأولى للانتفاضة كان الظن أنها مجرد مظاهرات ومواجهات محدودة مرتبطة بموسم المدارس والجامعات ستنتهي بعد أيام، إلا أنه سرعان ما تبين أننا نتكلم عن مواجهات دائمة، وفشل الاحتلال بخنق الانتفاضة عبر إغلاق الجامعات والمدارس (كونها المحرك الأول للمواجهات).

كانت الانتفاضة الأولى بمثابة مؤشر على تغير قناعات المجتمع داخل الضفة الغربية وقطاع غزة حول قضية تحرير فلسطين وتعبير عن اليأس من أي حلول تأتي من خارج فلسطين، بالتالي كان محركها هو محاربة المشروع الصهيوني، وإن كانت المهمة (وما زالت) أكبر من قدرة الجماهير والتنظيمات.

فالكيان الصهيوني طوال عقود كان يتمدد ويتجذر ويبني قوة عسكرية واقتصادية هائلة، وأكثر من ذلك تمادى في الاستيطان وتهويد الضفة وغزة، بحيث لم يعد ممكنًا القضاء على الاحتلال بالضربة القاضية سواء في الأراضي المحتلة عام 1967م أو المحتلة عام 1948م.

كانت معركة الانتفاضة الأولى هي وقف التدخل الصهيوني بالحياة اليومية للمواطن الفلسطيني وإثبات الهوية الوطنية الفلسطينية، لذا اتخذت طابعًا شعبيًا ركز على مواجهة الاحتلال داخل المدن، والعصيان المدني وعدم التعامل مع مؤسسات الاحتلال، ورفع العلم الفلسطيني وكتابة الشعارات الوطنية.

كما شنت الانتفاضة الأولى حربًا شرسة ضد عملاء الاحتلال والذين كان العديد منهم قبل الانتفاضة يجاهرون بعمالتهم دون أدنى خجل، فكان من ضمن اتفاقية أوسلو تسوية أوضاع هؤلاء العملاء بحيث منعت السلطة من محاسبتهم، كما هرب بضع عشرات من كبار العملاء إلى داخل الكيان الصهيوني ومنحوا الهوية الزرقاء (الصهيونية)، بينما أقيمت قريتان لتجميع صغار العملاء وعائلاتهم: فحمة الجديدة قرب جنين لعملاء الضفة، والدهنية قرب رفح لعملاء غزة، وقدر عددهم وقتها بعشرة آلاف إنسان.

إلا أن الإنجاز الأبرز للانتفاضة الأولى كان نقل ميدان المواجهة إلى داخل فلسطين، وتميزت حركة حماس عن فتح وفصائل منظمة التحرير أن قيادة الحركة وقواعدها الشعبية وكوادرها (ساسة وعسكريين) كانوا متمركزين داخل فلسطين، وبدأت بتصعيد عمليات المقاومة العسكرية بشكل خاص منذ عام 1989م، لكن عملها العسكري وتحت مسمى القسام انطلق بشكل أقوى عام 1992م، والذي أدى لقرار إبعاد قادة الحركة إلى مرج الزهور نهاية عام 1992م.

كما نشأت أجنحة عسكرية لفصائل منظمة التحرير وبالأخص حركة فتح، فكان جناحها شبه العسكري كتائب الشهيد أبو جهاد، وأجنحتها العسكرية العديدة أبرزها الفهد الأسود في الضفة وصقور فتح في غزة، وشهدت الحركة صراعًا بين القيادة التاريخية في الخارج التي بدأت تفقد السيطرة على القرار وبين قيادة الداخل المسيطرة على الميدان.

وعليه أوصلت الانتفاضة الأولى الاحتلال إلى نتيجة مفادها أنه لا يستطيع السيطرة على الشعب الفلسطيني لكنه لا يريد التخلي عن الأرض، وفي المقابل فإن قيادة المنظمة وحركة فتح ممثلة بياسر عرفات كانت تسعى لإيجاد دور لها من ناحية ولحصاد نتائج الانتفاضة من الناحية الأخرى.

اتفاقية أوسلو:

فخرجت لنا اتفاقية أوسلو والتي كان يريد منها ياسر عرفات إنشاء دولة فلسطينية تكون موطئ قدم للمقاومة والمشروع الوطني الفلسطيني، بينما كان يريد رابين والاحتلال أن تكون عملية تدجين للمقاومة الفلسطينية وإنهاء القضية الفلسطينية مقابل دولة مستقلة شكليًا وتحت سيطرة الاحتلال فعليًا.

في المقابل رفضت حركة حماس الاتفاقية جملة وتفصيلًا، فقد كانت ترى أن الوقت ما زال مبكرًا على حصاد نتائج الانتفاضة لكن دون أن تطرح مشروعًا توضح خطواتها المستقبلية، فقط كانت ترفض أوسلو وتصر على مواصلة العمل المسلح.

وفي المقابل رفضت فتح التفاهم مع حماس باعتبار شرعيتها التاريخية وقيادتها لمنظمة التحرير، وبدلًا من توظيف التباين في البرنامجين لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني (حماس تضغط على الاحتلال وفتح تحصل إنجازات)، دخلنا في صدام داخلي فلسطيني وقامت السلطة بقمع حركة حماس وكل من يمثل الخيار العسكري.

مع ذلك حرص عرفات على استثمار عمليات حماس من أجل ابتزاز الاحتلال لتقديم المزيد من الإنجازات، كما كرر الأمر مع هبة النفق عام 1996م، وكان ذلك مزعجًا للاحتلال كونه لم يحقق لهم ما يريدونه من تدجين المقاومة الفلسطينية ووأد القضية الفلسطينية.

وصل التناقض ذروته مع مفاوضات كامب ديفيد عام 2000م حيث كان رابين (مدعومًا بموقف كلنتون) يريد تقاسم المسجد الأقصى وإبقاء سيطرته على القدس وعلى قواعد عسكرية استراتيجية داخل الضفة، أي بكلام آخر يريد أن تكون الدويلة الفلسطينية تابعة للاحتلال من ناحية، ويريد من الناحية الأخرى ضمانات عملية لأن تكون هذه الدويلة هي نهاية القضية الفلسطينية.

وفي المقابل رفض عرفات هذا العرض فهو أكبر من أن يستطيع تمريره فلسطينيًا وعربيًا (وخاصة الجزء المتعلق بالأقصى)، كما أنه ينهي مشروع التحرير المرحلي الذي كان يؤمن به ومرر من خلاله اتفاقية أوسلو.

انتفاضة الأقصى:

جاءت انتفاضة الأقصى كرد فعل مباشر على مطلب الصهاينة بتقاسم المسجد، وأيضًا كنتيجة لفشل التسوية السياسية بالوصول إلى دولة فلسطينية، أي أن محاولة استثمار الانتفاضة الأولى وصلت سقفها الأعلى ولم تعد المناورات السياسية قادرة على تحقيق أي شيء.

حاول ياسر عرفات استخدام انتفاضة الأقصى وسيلة لابتزاز الصهاينة من أجل تحسين شروط الدولة، وحقق بعض النجاح خلال مفاوضات طابا في آخر عهد باراك، لكن بقيت القدس والأقصى هي العقبة المستحيلة.

ثم جاء شارون للحكم وقرر التخلص من عرفات والقضاء على الانتفاضة بقوة السلاح، ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم واليمين الصهيوني هو المسيطر على حكومة الاحتلال، وهذا اليمين بكافة أطيافه يؤمن بأنه لا إمكانية للتفاهم مع السلطة والفلسطينيين عمومًا، ويؤمن بأنه لا إمكانية للتوصل إلى تسوية قائمة على إعطاء الفلسطينيين دويلة مقابل إنهاء القضية الفلسطينية للأبد.

في المقابل مضى الفلسطينيون في خيار المقاومة إلى آخر مدى، وتكبد الصهاينة خسائر مادية كبيرة دفعت شارون إلى تبني خيار الانسحاب من غزة والتفرغ لسحق المقاومة في الضفة والقضاء على عرفات، ودفعت المقاومة العسكرية في الضفة ثمنًا باهظًا وتمكن الاحتلال من سحقها خلال الأعوام من 2002م إلى 2004م.

لقد انتهت انتفاضة الأقصى بالتخلص من عرفات والإتيان بمحمود عباس الذي تبنى مشروع "أنه لا طاقة للفلسطينيين بمحاربة الاحتلال" وأنه لا يجب تكرار تجربة انتفاضة الأقصى، كما حاول مساعدة الاحتلال على تدجين حركة حماس عبر إشراكها بالانتخابات.

الانقسام الفلسطيني:

دخلت حماس الانتخابات التشريعية عام 2006م وكان على رأس أولوياتها إفشال مشروع التسوية، وكانت رؤيتها تقوم على هدنة لالتقاط الأنفاس وتبنت الحل المرحلي لكن دون تكرار خطأ عرفات أي الاعتراف بالكيان الصهيوني والدخول في منظومة الاحتلال الأمنية (التنسيق الأمني).

لكن الظروف الداخلية والخارجية لم تساعد حماس، فالمقاومة في الضفة تلقت ضربات متتالية فلا ضغط حقيقي على الاحتلال، وغزة تخلص الاحتلال من عبء المستوطنات فيها، والمنظومة العربية والدولية بعد هجمات أيلول (2001م) وغزو العراق (2003م) كانت رهينة للإرادة الأمريكية المتماهية مع المصلحة الصهيونية.

وفوق كل ذلك كان محمود عباس ومعه حركة فتح مستعدين للتحالف مع الشيطان لحرمان حماس من "خطف السلطة" التي رأوها أنها مشروع فتح الخاص وأن حماس مجرد دخلاء جاؤوا ليسرقوها من خلال صندوق الانتخابات.

وكان من أخطر إفرازات الانقسام الفلسطيني أن المجتمع الفلسطيني انشغل بالاستقطاب المتبادل بين الحركتين لسنوات طويلة، بما أتاح للاحتلال الفرصة ليكمل مشاريعه القديمة بتهويد الأرض في الضفة الغربية وفي القدس تحديدًا والتي شهدت تغولًا استيطانيًا غير مسبوق.

كما أتاح هذا الانقسام للاحتلال أن يفكر بإصلاح خطأ الانسحاب من غزة عام 2005م، وذلك من خلال حصار غزة الخانق وحروب غزة الثلاثة، وفكرة إعادة احتلال غزة لم تغب أبدًا عن بال قيادة الاحتلال، حتى لو كان ذلك مستحيلًا على المدى القصير بسبب قوة القسام وفصائل المقاومة، لكنه يفكر بذلك على المدى البعيد وهذا سبب إصرارها العنيد على حصار غزة.

انتفاضة القدس:

كان عنصر نجاح خطة شارون للانسحاب عام 2005م هو الخروج من مناطق الكثافة السكانية؛ أي قطاع غزة ومناطق الكثافة السكانية في الضفة، وترك الفلسطينيين يقتتلون فيما بينهم، مما أعطى الاحتلال هدنة من أجل التوسع الاستيطاني فيما استمر الاستنزاف الفلسطيني، بحيث بدت الأمور في لحظة من اللحظات وكأن مشروع تحرير فلسطين من الداخل أيضًا انهار وفشل كما فشل مشروع تحريرها من الخارج.

وكانت هنالك لحظة أمل قصيرة باستعادة مشروع التحرير من الخارج بعد الثورات العربية، وبالأخص الثورتين السورية والمصرية لكن سرعان ما انهار ذلك الأمل بعد غرق سوريا في حرب أهلية طويلة، والانقلاب في مصر على مرسي.

إلا أن الانسحاب الصهيوني لم يشمل مدينة القدس بل على العكس ازدادت وتيرة التهويد وبدأ مشروع تقسيم الأقصى والاستيلاء التدريجي عليه، مما حول المدينة إلى نقطة توتر مستمرة منذ عام 2010م حيث شعر أهلها بخطورة وضغط مشاريع الاحتلال.

وفي المقابل استمرت السلطة بمحاولات إعادة إحياء المفاوضات لعل وعسى تكسب بعض النقاط من خلال المناورات السياسية، إلا أن الصفعة القاسمة التي تلقتها كانت بفوز نتنياهو بانتخابات عام 2015م وصعود الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ الكيان الصهيوني.

يقوم المشروع السياسي للحكومة الحالية على ابتلاع الضفة الغربية بالإضافة للقدس، وتصفية تدريجية للسلطة الفلسطينية، وإيجاد حل ما للتخلص من السكان الفلسطينيين في الضفة على المدى البعيد.

وهكذا شهدنا ارتفاعًا بهجمات المستوطنين وتسارعًا للاستيطان ومساعي للعودة إلى مناطق سبق وانسحب الاحتلال منها؛ مثل مستوطنات جنين المخلاة، وقبر يوسف، وإقامة بؤرة استيطانية في كفر عقب، وبؤرة استيطانية أمام مخيم العروب.

وفي موازاة ذلك كان لصمود المقاومة في حروب غزة الثلاثة وتحسن أداءها في كل مرة عن المرة التي سبقتها، وانتفاضات مدينة القدس المتتالية الفضل بإعادة الاعتبار لمشروع المقاومة ولمشروع محاربة الاحتلال من داخل فلسطين.

فجاءت انتفاضة القدس نتيجة طبيعية لانهيار مشروع التسوية السلمية، ورد فعل متوقع على تسارع وتيرة التهويد، واستجابة جيدة لعملية ترميم خيار المقاومة.

تقييم الموقف الحالي:

أولًا: انهيار خيار التسوية بشكل نهائي، ففي ظل الطبقة الحاكمة بالكيان الصهيوني لا أفق لأي تسوية سياسية مهما كان شكلها وهذه الطبقة ستبقى لسنوات طويلة، فلا منافس حقيقي لها.

ثانيًا: استطاعت الانتفاضات الفلسطينية المتتالية استنزاف الاحتلال، ووضع كوابح للاستيطان والتهويد بالأخص داخل الضفة (وفي غزة طبعًا) لكن طبيعة الصراع مع الاحتلال لا تجعل المكاسب هذه دائمة، فهي معرضة للانتكاس بأي لحظة تتوقف بها المقاومة.

ثالثًا: دولة الاحتلال تؤمن بأنه في اللحظة التي تكون فيها ضعيفة فسينقض الفلسطينيون عليها، واليمين الصهيوني هو الأكثر إيمانًا بهذه النظرية، لذا هم لا يؤمنون بأي هدنة أو تهدئة أو اتفاقية تتيح للفلسطينيين التقاط الأنفاس أو إعادة ترتيب الأوراق.

رابعًا: الوضع العربي الحالي لا يسمح بدعم حقيقي للمقاومة الفلسطينية، وأكثر ما يمكن توقعه هو الدعم المالي والدعم السياسي والإعلامي، وهذا لا يكفي من أجل تحرير فلسطين أو قلب موازين القوى بشكل جوهري.

خامسًا: الاحتلال ممكن أن يتراجع بها تحت ضغط اللحظة الراهنة وتحت ضربات المقاومة، كما حصل في غزة عام 2005م لكنها يجب أن تكون قوية بما يكفي وأن ترافقها حرب إعلامية ذكية، بحيث لا تترك للصهاينة مجال التفكير العقلاني، كما يجب الإدراك أنهم في اليوم التالي سيفكرون بكيفية تعويض تراجعهم.

العبر والدروس:

نستنتج الآتي مما سبق:
أ‌-       المقاومة الفلسطينية من الداخل، وهي تتخذ حاليًا شكل انتفاضة القدس، سقفها وقف تمدد المشروع الصهيوني واستنزافه، حتى نضمن أن لا يزداد قوة وتجذرًا في الأرض.

ب‌-  كما أن المقاومة ضرورية حتى نبقي مشروع الجهاد والتحرير قائمًا لأنه متى ما اختفى عن الساحة ضاعت فلسطين للأبد، وهذا ليس تقديرًا تشاؤميًا بل هو الواقع.

ت‌-  الحلول المرحلية بكافة أشكالها (سواء التسوية السلمية الفتحاوية أو الهدنة المؤقتة الحمساوية) هي حلول غير واقعية، والاحتلال متنبه جدًا للهدف من ورائها فلن يقبل بأي حل تكون نهايته حرب على الاحتلال تقضي على دولته.

ث‌-  الاحتلال سيضطر للتراجع سواء بالمواقف أو حتى الانسحاب من بعض المناطق كما فعل بالسابق، وذلك تحت ضغط المقاومة والاستنزاف المتواصل، لكن دون اتفاقيات ومع نيته توجيه ضربات انتقامية، لذا أي مشروع للمقاومة يجب أن يحسب حساب الاستمرارية لفترة طويلة جدًا.

ج‌-    الانشغال بالمعارك الداخلية على حساب المعركة مع الاحتلال كان مضرًا للغاية، ويجب التوصل لصيغة للتعايش الفلسطيني بأي طريقة كانت، حتى تبقى الجهود موجهة ضد الاحتلال، وحتى نستزف الاحتلال لا أن نستنزف أنفسنا.

ح‌-    تفعيل جبهة الخارج ضرورية جدًا، وإن كان الظرف العربي الحالي لا يسمح بذلك، فيجب التفكير بحلول إبداعية وعلى رأسها إدخال اللاجئين الفلسطينيين بالشتات، وتحديدًا فلسطينيو الأردن في المعركة ضد الاحتلال.
صحيح أن تحرير فلسطين هي مسؤولية الأمة الإسلامية جميعها، لكن ثبت من التجربة أن أصحاب الشأن المباشر (أي الفلسطينيين) هم الأكثر قابلية للانخراط في مشروع يحارب الاحتلال من غيرهم، وحتى على الصعيد الفلسطيني فالأكثر تضررًا من الاحتلال (مثل اللاجئين) كانوا أكثر انخراطًا من غيرهم.

في الختام:

استطاع الشعب الفلسطيني بمقاومته للاحتلال منذ الانتفاضة الأولى حتى انتفاضة القدس استنزاف المشروع الصهيوني، ووضع كوابح للاستيطان وردع أعداد من يهود العالم عن القدوم إلى فلسطين، ودفع أعداد من الصهاينة للهجرة من فلسطين، واستطاع تأسيس قواعد للمقاومة داخل أرض فلسطين.

وكان من الخطأ الرهان على الحلول المرحلية بغض النظر عن شكلها، ويجب التخطيط لحرب استنزاف طويلة لا تنتهي إلا بتغير موازين القوى مع الاحتلال بشكل جوهري وبشكل يقلب كل معادلات الكيان الصهيوني.
والخطأ الأكبر كان الوقوع في فخ الصراع الداخلي، مما أعطى الكيان الصهيوني فرصة لالتقاط الأنفاس ولإعادة ترتيب أوراقه.

وأخيرًا من الضروري إعطاء الأولوية لإدماج الخارج الفلسطيني والعربي بالصراع مع الكيان الصهيوني، فعبء تحرير فلسطين كبير جدًا والفرق بالقوة والسلاح والإمكانيات مع دولة الاحتلال أكبر بكثير من أن نتركه على كاهل الداخل الفلسطيني لوحده.

ليست هناك تعليقات: