الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2015

قراءة في انتصار حزب العدالة والتنمية بالانتخابات البلدية في المغرب





أتذكر لقاءً على فضائية الجزيرة مع أحد قادة العدالة والتنمية في المغرب (أظنه سعد الدين العثماني) بعد انتخابات عام 2007م البرلمانية والذي حقق فيه الحزب تقدمًا من 42 مقعد (انتخابات 2002م) إلى 46 مقعد ليحل بالمرتبة الثانية (حصل على 9 مقاعد في انتخابات 1997م).

مما جاء في اللقاء أن العدالة والتنمية تسعى للاستفادة من تجربة أردوغان في تركيا، في وقت كان أغلب من يمدحون تجربته اليوم يسخرون من عجزه على إصلاح شيء في الدولة التركية.

كما ورد في اللقاء أن الحزب لديه خطة تدريجية للإصلاح وأيضًا للفوز بالانتخابات، متعهدًا بالفوز في الانتخابات البرلمانية التالية، وإن كانت الأرقام تدعم إدعاءه إلا أني تفاءلت بحذر، متأملًا أن يكون كلامه صحيحًا.

وبالفعل قفز عدد مقاعد الحزب إلى 107 مقاعد في انتخابات عام 2011م البرلمانية (من 395 مجموع المقاعد)، واستطاع أن يشكل الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب.

وتجربة العدالة والتنمية في المشاركة بالحكم والتغيير تستحق الدراسة كتجربة حزب ينتمي إلى مدرسة الإخوان المسلمين، وإن كان رسميًا ينفي أي صلة تنظيمية (وليس فكرية) مع الإخوان إلا أنه يشارك بالملتقيات الدولية للتنظيمات والأحزاب المحسوبة على الإخوان المسلمين.

والأسئلة المطروحة هي: أين يقف الحزب بعد الانتخابات البلدية الأخيرة؟ وما دلالات فوزه والنتائج التي حققها؟ وماذا يمكن أن نستفيد من ذلك؟
 
الانتخابات البلدية:

بداية يجب أن ندرك بعض الأمور حتى نفهم الانتخابات البلدية بشكل جيد بدلًا من الأحكام الاختزالية التي يطلقها البعض والتي لا تمت للواقع بصلة.

أولًا: الانتخابات البلدية بشكل عام تختلف عن الانتخابات البرلمانية في طبيعة التنافس، وخاصة في القرى والأرياف حيث تطغى الاعتبارات العائلية والمصالح الشخصية على التنافس بين الأحزاب السياسية.

كما أن التصويت يغلب عليه الاعتبارات الخدمية على الاعتبارات السياسية والأيدولوجية.

ثانيًا: الأرقام تبدو خداعة عند الإعلان عن مجموع عدد المقاعد، فعندما يقال أن حزب الأصالة والمعاصرة (حزب الملك) حل أولًا بنسبة 21% بعدد المقاعد، يليه حزب الاستقلال (المعارض) بنسبة 16%، ليأتي حزب العدالة والتنمية بالمرتبة الثالثة (15.9%).

فهذا لا يعني شيئًا لأنه لن تتم تشكيل هيئة بناء على مجموع المقاعد الكلي، إنما كل بلدية أو محافظة ستشكل لوحدها، ومن الناحية الأخرى فهذا لا يعني أن عدد مؤيدي العدالة والتنمية في المرتبة الثالثة، لماذا؟

لأن قرية عدد سكانها ألف نسمة (مثلًا) قد يكون لها مجلس محلي بتسعة مقاعد، ومدينة سكانها 200 ألف نسمة (مثلًا) ويكون لديها مجلس بلدي بـ15 مقعد، فلو فاز حزب بعشرة قرى يكون حصل على 90 مقعد وتأييد 10 آلاف شخص فقط، بينما الحزب الذي يفوز بالمدينة يحصل على 15 مقعد وتأييد 200 ألف شخص.

والعدالة والتنمية فازت واكتسحت المدن، وبالأخص المدن الكبرى لكن حضورها في الأرياف والبوادي كان ضعيفًا، وهذه مشكلة كل التيار الإسلامي في كافة الدول العربية وهو أمر بحاجة لدراسة مستقلة، وبالتالي فالعدد الكبير من المقاعد الذي حاز عليه منافسو العدالة والتنمية هي لمقاعد في بلديات صغيرة الحجم.

ثالثًا: لقد تقدم حزب العدالة والتنمية في انتخابات عام 2015م البلدية بثلاثة أضعاف ما كان لديه من مقاعد في انتخابات عام 2009م، مرتفعًا من 1600 مقعد إلى 5021 مقعد، كما ارتفع عدد من صوتوا له من 600 ألف (2009م) إلى مليون ونصف (2015م) وهو عدد أكبر من الذين صوتوا لأقرب منافسيه (الأصالة والمعاصرة) والذي حصل على مليون فقط.

رابعًا: فاز حزب العدالة والتنمية بسهولة وبأغلبية مريحة في أغلب المدن الرئيسية: الرباط (العاصمة)، والدار البيضاء (العاصمة الاقتصادية)، وفاس وطنجة ومكناس وأكادير وتطوان، وغيرها.

خامسًا: على مستوى انتخابات المحافظات (أو الجهات كما هي التسمية المغربية) فقد جاء حزب العدالة والتنمية أولًا بنسبة 25.6% و174 مقعد، يليه حزب الأصالة والمعاصرة بنسبة 19%.

إذن نتكلم عن فوز كبير لحزب العدالة والتنمية، سواء إن كان من حيث عدد المصوتين له، أو بمقارنة نتائجه الحالية بنتائج آخر انتخابات بلدية، أو بأهمية البلديات والمحافظات التي سيطر عليها، وهذا ما دفع خصومه الأصالة والتنمية والاستقلال إلى اتهام الداخلية بالتزوير، وهو التصرف المتوقع من الخاسرين في عالمنا العربي.

دلالات فوز العدالة والتنمية:

يأتي فوز العدالة والتنمية بعد تجربة بالحكم استمرت ثلاثة أعوام ونصف، تخللته موجة الثورات المضادة في العالم العربي، والتي حاول خصوم العدالة والتنمية الاستفادة منها وإسقاط حكومتها فانسحب حزب الاستقلال عام 2013م من الحكومة.

ومن اللافت للانتباه أن حزب الاستقلال هو الخاسر الأكبر في الانتخابات البلدية، وهذا يدل على ثقة المواطن المغربي بأداء الحكومة بالتالي كان لانسحاب حزب الاستقلال من الحكومة عامل إضعاف في مصداقيته وليس مصداقية الحكومة.

وجاء انتصار العدالة والتنمية رغم تنبؤ البعض بخسارتها لشعبيتها ورغم أن الأصالة والتنمية حشد بشكل جيد، ورغم كثرة الحديث عن أخطائها مما يدل على المبالغة بتصوير هذه الأخطاء.

وهنا لا بد من توضيح بعض المغالطات والشبهات التي يطرحها البعض:

أولًا: أن القصر الملكي هو الذي يحدد الفائز والخاسر في الانتخابات، لأنه كان واضحًا السعي لانجاح الأصالة والمعاصرة، كما أن أصحاب هذه النظرية تنبأوا بسقوط العدالة والتنمية بعد "فشل الربيع العربي" وبعد "أفول نجم الإخوان المسلمين"، فلو كان القصر الملكي هو المتحكم بالنتائج لكان لزامًا عليه اغتنام الفرصة والقضاء على التيار الإسلامي.

ثانيًا: أن العدالة والتنمية فشل بتحقيق وعوده الانتخابية وفشل بتحقيق الرفاهية للمواطن وفشل بمكافحة الفساد، ونسمع مثل هذه الاتهامات في غزة عن حماس، وفي تركيا عن أردوغان، فالخصوم السياسييون يبالغون بالكلام عن الفشل.

وهذه نظرة سطحية للأمور لأن الإصلاح والتغيرات الجذرية لا تحدث في ليلة وضحاها، فالتخلف والفساد الذي تعاني منه المغرب عمره عشرات (بل مئات) السنين.

والقوى المضادة موجودة في الأجهزة الحكومية وفي القصر وفي المجتمع نفسه (انظروا لثقافة الواسطات في مجتمعاتنا العربية على سبيل المثال)، وبالتالي التغيير يجب أن يحصل بالتدريج.

لا يوجد نتائج فورية سواء كان التغيير عن طريق صندوق الاقتراع أو عن طريق الثورات العنيفة (احتاجت الثورة الفرنسية لأكثر من مئة عام حتى تحقق الرفاهية والكرامة للمواطن الفرنسي).

كان للعدالة والتنمية إنجازات ملموسة بما يكفي لكي يجدد المواطن المغربي الثقة له، وربما الأدق القول أن المواطن المغربي قارن بين العدالة والتنمية ومنافسيه (الذين سبقوه في سدة الحكم)، فوجد أن العدالة والتنمية أفضل منهم (أو أقل سوءًا لو أردتم أخذ جانب السلبيات).

ثالثًا: أن بنكيران وحكومته لا يملكون صلاحيات حقيقية وأن الحاكم الحقيقي هو الملك، وهم ينفذون سياسته، وهذا طرح غير دقيق.

صحيح أن الملك يمتلك صلاحيات واسعة، إلا أن دستور 2011م ضيق هذه الصلاحيات قليلًا، وأعطى البرلمان والحكومة صلاحيات أوسع، وضمن هذه المساحة يتحرك بنكيران وحزب العدالة والتنمية.

وهم قد اتخذوا قرارًا منذ البداية (مثلما فعل أردوغان) بالإصلاح التدريجي، وأن تضع رجلًا داخل الحكم وأن تقوم ببعض الإنجازات البسيطة في البداية هو إنجاز لا يجوز الاستهانة به.

وللمقارنة فأردوغان لم يحقق أي إنجاز في فترة حكومته الأولى، بل عمد الجيش والعلمانيون نكايةً به إلى تشديد إجراءات منع الحجاب في الجامعات والمدارس وزيادة وتوطيد العلاقات مع الكيان الصهيوني ومناورات عسكرية مشتركة.

بينما نجد موقف بنكيران متقدمًا عندما رفض المشاركة بمسيرة شارلي أبيدو إلا بشرط عدم رفع الرسوم المسيئة، وعندما لم يتحقق الشرط لم تشارك حكومته، وأيضًا عندما طلبت من بيريس عدم المشاركة بأحد المؤتمرات في المغرب.

لو اتخذ أردوغان مواقف مشابهة في فترة حكومته الأولى لانقلب عليه الجيش ولزجه في السجن، ولسخر منه الساخرون كما يسخرون من مرسي اليوم.

رابعًا: مشاركة المغرب في الحرب بمالي وعلى تنظيم داعش، حيث يعتبر البعض ذلك تبعية للغرب لا تليق بحزب إسلامي، وهنا لا بد من الإشارة إلى أمرين: القرار ليس بيد الحكومة المغربية لوحدها فهنالك القصر الملكي وهنالك ضغوط غربية لا يمكن تجاوزها.

والأمر الآخر هو أنه ثبت بالوجه القاطع أن محاربة أنصار الدين في مالي وتنظيم داعش هو مصلحة للأمة الإسلامية قبل أن يكون مصلحة غربية، وهذا بعيدًا عن النظريات والمثاليات التي يغرقنا بها البعض.

ما العبر التي نستفيد منها:

أولًا: تجربة العدالة والتنمية في المغرب تستحق الدراسة كتجربة إسلامية وسطية تنتمي لمدرسة الإخوان المسلمين، اعتمدت التغيير التدريجي عبر الانخراط في المسار الانتخابي.

ثانيًا: لكل بلد خصوصياته وتجاهل ذلك يغرقنا في تعميمات مخلة، فإن كان الجيش انقلب على نتيجة الانتخابات في مصر، وإن كانت أغلب الأنظمة العربية تعلمت الدرس بالمقلوب من الثورات العربية فازدادت قمعًا ومحاربةً للمشاركة السياسية.

إلا أن الملك المغربي تعلم الدرس بالطريقة الصحيحة ورأى أن الطريق الوحيد لنجاة المغرب من الانحدار هو بزيادة هامش المشاركة السياسية، بالتالي فالمقارنات مع الحالة المصرية مثلًا مخلة للغاية وغير منطقية.

ثالثًا: تجربة المقاطعين للانتخابات المغربية (حزب العدالة والإحسان تحديدًا) تثبت مرة أخرى أن الحرد ليس سياسة، فإن لم يكن لديك برنامج ثوري للإطاحة بالنظام، ولا تريد المشاركة بالنظام السياسي، فأنت لا تستطيع أن تقنع الناس بأنك على صواب لمجرد أنك "تفضح" أخطاء خصومك.

وكما قال بنكيران عن منافسيه في الانتخابات (الذين راهنوا على سقوطه): النملة تعمل والصرصار يغني.
إن لم تكن موجودًا في الميدان وتعمل وتقنع الناس بأنك الأفضل فمصيرك إلى غياهب النسيان، مهما كان تنظيرك رائعًا.

رابعًا: لا توجد وسائل مقدسة ولا توجد طريقة واحدة للتغيير؛ ففي المغرب وتركيا نجحت عملية التغيير عبر دخول النظام السياسي والمشاركة به، بينما فشلت في مصر وفي بلدان مثل سوريا أو ليبيا لم يترك النظام خيارات سوى استخدام السلاح.

هناك تعليقان (2):

فلسطين يقول...

حبذا لو تركتم لنا بريد الكتروني لنتواصل به معك يا استاذي

لدينا بعض التساؤلات وتحتاج منك اجابات
في كل مرة نتعلم منك شيء جديد
لاول مرة اعرف ما يجري في المغرب

ياسين عز الدين يقول...

بإمكانك التواصل معي من خلال صفحتي الفيسبوك مع الاعتذار لتأخري بالرد.
https://www.facebook.com/yaseen.izzeldeen