الاثنين، 22 نوفمبر 2010

مجزرة مسجد فلسطين: ذاكرة الناس القصيرة

مرت علينا قبل ايام قليلة ذكرى مذبحة مسجد فلسطين في مدينة غزة، والتي ارتكبتها الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة ياسر عرفات في 18/11/1994م، وربما أكثر قراء هذا المقال كانوا وقتها ما زالوا اطفالاً، ولسنا بصدد استحضار آلام الماضي أو نكأ الجراح، لكن من المفيد العودة إلى التاريخ كيف نفهم واقعنا بطريقة أفضل.

ظروف وملابسات المجزرة:

في 2/11/1994م: اغتيال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الشهيد هاني عابد على أيدي المحتل الصهيوني، بالرغم من أن قطاع غزة أصبح تحت سيطرة سلطة الحكم الذاتي منذ ستة شهور.

في 11/11/1994م: الاستشهادي هشام حمد من الجناح العسكري للجهاد الإسلامي (والذي كان يسمى "قسم" وقتها) يفجر نفسه وسط جنود الاحتلال قرب مستوطنة نتساريم مما أدى لوقوع عدداً من الجرحى والقتلى في صفوفهم.

جن جنون سلطة عرفات لأن العملية تستهدف "التزاماتها" تجاه المحتل الصهيوني، وشنت حملة اعتقالات، ومنعت حركة الجهاد الإسلامي من تشييع الشهيد بجنازة كبيرة تليق به، حتى لا تظهر السلطة وكأنها تقبل بما يسمى "الإرهاب"، فدعت حركة حماس إلى مسيرة بعد صلاة يوم الجمعة 18/11/1994م تضامناً مع حركة الجهاد الإسلامي وتأييداً للعمل البطولي الذي قام به الشهيد.

في 18/11/1994م: كان مسجد فلسطين أحد أكبر مساجد مدينة غزة المكان المقرر انطلاق المسيرة منه بعد خطبة وصلاة الجمعة، واستنفرت أجهزة أمن السلطة وأقامت الحواجز على الطرق المؤدية للمسجد، مع ذلك حضر المئات والالاف للمسجد الذي امتلئ بالمصلين وامتلأت ساحته والساحة المجاورة بالمصلين الذين جاءوا من كافة المناطق.

ألقيت خطبة الجمعة وأديت الصلاة بشكل طبيعي، وأثناء الصلاة طوق رجال الأمن المصلين حول المسجد، وما أن انتهت الصلاة وبعيد التسليمة الثانية بدأ اطلاق النار من قبل الأجهزة الأمنية وأكثر المصلين لم يصلوا ركعتي السنة بعد، استشهد 17 من المصلين وأصيب العشرات بجراح مختلفة، واكتظت مستشفيات القطاع بهم، وامتدت المواجهات بعدها لمناطق أخرى لكن أغلب الشهداء والجرحى وقعوا في المسجد.

وبما أن المجزرة وقعت في عصر بدايات الانترنت وما قبل اليوتيوب، فلم توثق المجزرة بالشكل الذي تستحق، وماتت في ذاكرة الكثيرين ممن عاصروها وجهلها أكثر من لم يعاصرها، وقمت بالبحث على الانترنت عن فيديو يوثق للمجزرة فوجدت الرابط أدناه، وهو شريط مدته 25 دقيقة، وتظهر في الدقائق الأولى صور خطبة الجمعة ونلحظ أنها خطبة تقليدية دعا خلالها الخطيب إلى الوحدة الوطنية، ثم يظهر المصلون داخل وخارج المسجد أثناء أداء الصلاة، ونرى رجال الشرطة وهم يتحركون ويحاصرون المصلين أثناء أداء الصلاة.

ثم يظهر الفيديو المواجهات في بداياتها، وإن لم يكن قد وضح كيف اندلعت شرارة المواجهة بالضبط، لكن كان واضحاً أن المصلين كانوا ما زالوا في المسجد لم يخرجوا منه، ونرى كيف أن سلاح المصلين الوحيد كان الحجارة التي يردون فيها على اطلاق النيران الحية، ونسمع طوال الشريط الناس وهم يرددون كلمات: "عملاء"، و"مثل اليهود" في إشارة للأجهزة الأمنية، نعم لقد نجحت هذه الأجهزة بترسيخ في ذهن الناس أنهم عملاء للاحتلال منذ الشهور الأولى لقدوم السلطة الفلسطينية.

ويظهر الفيديو في الدقيقة 8 والثانية 30 صورة أحد الجرحى وهو مصاب برصاصة من الخلف، وعند الدقيقة 11 والثانية 58 نشاهد اثنين من الشباب وهما يصبان بالرصاص عن بعد أثناء هروبهما من اطلاق النار، وهذا أن دل على شيء فيدل على أن اطلاق النار كان عشوائياً في أحسن الأحوال ولم يكن "دفاعاً عن النفس".

وابتداءً من الدقيقة 13 والثانية 15 نرى مشاهد من داخل مستشفى الشفاء ونرى المكان وقد اكتظ بكافة أنواع وأشكال الإصابات، ولكثرة المصابين كان الكثير منهم ممداً على الأرض يتلقى العلاج، وفي الدقيقة 18 والثانية 40 نرى أحد دوريات حرس الرئاسة وهي تمر بشكل مستفز أمام المستشفى مما أدى لتجدد المواجهات ولحدوث فوضى وهرج، وفي الدقيقة 20 و42 ثانية نرى أحد رجال الأمن بالزي المدني وهو يركض بين المتظاهرين، ويبدو أنه كان ضل طريقه، ومن الملفت أن المتظاهرين لم يمسوه بأذى بل اكتفى بعضهم بالصراخ عليه فيما عمل آخرون على توفير الحماية له حتى وصل للطرف الآخر حيث يوجد رجال أمن بلباس رسمي ومدني، وبعد وصوله للطرف الآخر نسمع اطلاق نار كثيف من قبل أجهزة الأمن تجاه المتظاهرين.

العبر المستفادة بعد ستة عشر عاماً:

الناس وبكل أسف ذاكرتها قصيرة، وكلما ذكر اليوم شيء عن تصرفات السلطة قيل أن الانقسام الفلسطيني هو السبب، وكلما ذكرت جرائم السلطة في الضفة قيل لنا أن هذا كان رداً على ما قامت بها حماس في غزة، حسناً هذا دليل حي على أن جرائم السلطة سبقت الانقسام الفلسطيني بثلاثة عشر عاماً، وهذا دليل على أن السلطة تقوم بما تقوم به لمرضاة الصهاينة ولاثبات "حسن نيتها"، لذا نرجو من الذين يحملون جهتي الانقسام مسؤولية الوضع الحالي أن يستحضروا في أذهانهم صورة مجزرة مسجد فلسطين، وليقولوا لنا هل كان الوضع السابق أفضل من الوضع الحالي؟ ألم تكن التجاوزات والجرائم ترتكب قبل دخول حماس الانتخابات وقبل الانقسام الفلسطيني؟
 

تثبت حادثة مجزرة مسجد فلسطين أن بوصلة السلطة الفلسطينية تحددها دوماً ما يسمى بالتزاماتها تجاه المحتل الصهيوني، وهذا ليس بالتصرف المتوقع من حركة تحرر وطني، ولا من منظمة تسمي نفسها "منظمة التحرير الفلسطينية"، فكيف يأتي التحرير واستراتيجيتنا الأبدية هي الدفاع عن أمن الصهاينة والحفاظ عن مشاعرهم، فالمسيرة التي قمعت قبل أن تنطلق وسالت دماء المصلين كي لا تقوم لها قائمة كانت ستجرح مشاعر الصهاينة فقط لا غير، لم تكن لتؤذيهم جسدياً.

اعتبرت السلطة العمليات الاستشهادية والمسيرة بأنها تخريب على جهودها، وطلبت أن تعطى مهلة لانجاح اتفاقية أوسلو، بالرغم من أنها وقعت وفرضت على الشعب الفلسطيني دون أن يؤخذ برأيه، وحينها طالبت حماس بالاستفتاء على اتفاقية أوسلو، ورفضت منظمة التحرير لأنها تدري ما النتيجة ستكون، نعم هذا صحيح حماس طالبت بالاستفتاء في تلك الأيام وليتذكر هذا الجميع عندما يصرح أحد قيادات حماس مستقبلاً بأنه يقبل باستفتاءً ما، لأنه كلما خرج مثل هذا التصريح تبدأ اللطميات التي تقول أن حماس تغيرت بعد دخولها الانتخابات، حسناً حماس من يومها وهي تقبل بالاستفتاء فرجاءً صححوا معلوماتكم.

ردود الفعل:

فضلت حماس العض على الجراح وتجاوز الحدث لأن بوصلتها كانت تجاه الاحتلال الصهيوني، وكانت ردود فعلها دوماً تجاه المحتل الصهيوني، إلا أن المجزرة أثرت في أبناء فتح والكثير من مؤيديها، ومن بين من أثرت فيهم الشهيد خليل الشريف وقد كان منسق عام حركة الشبيبة الفتحاوية في جامعة بيرزيت، وقد ترك حركة فتح أثر المجزرة وانضم لاحقاً لحماس وكتائب القسام، وكان مشاركاً بعملية ضد عدد من المستوطنين قرب رام الله مما أدى لمقتل اثنين منهم، وأثناء العملية انقلبت السيارة التي نفذوا بها العملية واضطروا للخروج منها وقد نسي أحد كراساته وراءه مما أدى لانكشافه وأصبح مطلوباً لكل من السلطة والصهاينة، إلى أن كان أحد منفذي العملية الاستشهادية الثلاثية في شارع بن يهودا عام 1997م.

نذكر الشهيد خليل الشريف لكي يكون قدوة لكل من أبناء فتح وحماس، قدوة لأبناء فتح كي لا يقبلوا بالعار الذي يعيشوه وأن تكون لهم كلمة، ونذكر هنا أحد أبطال فتح الذين ساروا على درب محو عار التنسيق الأمني وهو الأسير محمد الخطيب من بلدة يعبد، وهو ضابط شرطة سابق في أجهزة دايتون الأمنية، قرر أن لا يكون جزءاً من مهزلة التنسيق الأمني وأحيل على التقاعد المبكر، وخرج في 10/2/2010م إلى حاجز زعترة وقام بذبح أحد الجنود الصهاينة بسكين كان يحمله.

والشهيد خليل الشريف هو قدوة أيضاً لأبناء حماس لأنه كان مطارداً لكل من الصهاينة والسلطة لكنه لم يكل ولم يستسلم ولم يبك ولم يضعف، واستمر بالعمل مع خلية عصيرة الشمالية القسامية لأكثر من ثلاث سنوات، لم ينتظر النصرة من قيادة حماس التي كانت جميعها (في الضفة وغزة) معتقلة أو محاصرة، ولم ينتظر مصالحة لكي يخف الضغط عنه، لأن السلطة كانت تعتبر حقها مطاردته ومطاردة أي مقاوم دون أن يحق لحماس مجرد الاعتراض، فمن يخرج في سبيل الله لا ينتظر النصرة من البشر مهما كان أولئك البشر.

ملاحظة على الهامش:

قد يشبه البعض ما حصل في مسجد فلسطين بأحداث مسجد ابن تيمية، ويقول هذا مسجد وهذا مسجد، وهنا هجوم وهناك هجوم، وهنا سقط قتلى وهناك سقط قتلى، حسناً هذه مقارنة غير سليمة ولا تستقيم، ففي مسجد فلسطين لم يكن أحداً مسلحاً داخله، فيما قد رأينا جميعاً كيف كان مسجد ابن تيمية يعج بالمسلحين، بل خلال الخطبة كان الشباب يحيطون بالخطيب وهم يلبسون الأحزمة الناسفة، في مسجد فلسطين أطلق النار والمصلين ما زالوا داخله بينما في مسجد ابن تيمية كان الجميع قد غادر وبقي المسلحون، وفي مسجد فلسطين جميع من قتلوا من المصلين، بينما في مسجد ابن تيمية قتل من رجال الأمن ومن المواطنين الذين يسكنون بمحيط المسجد ومن المسلحين أنفسهم، في مسجد فلسطين قمع لمسيرة سلمية كانت ستخرج نصرة للعمليات الاستشهادية ضد اليهود، وفي مسجد ابن تيمية تمرد وعصيان عسكري لإقامة حكومة تنافس الحكومة الشرعية.

ربما ارتكبت حماس أخطاء في مسجد ابن تيمية، ولسنا بصدد مناقشتها، ولا أحد منزه عن الخطأ، لكن ما أردنا توضيحه في هذه الذكرى أن آفة السلطة منذ انطلاقتها هي التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني وما تسمى بالتزاماتها الأمنية، وما دامت هذه الآفة موجودة فلن يستقيم الوضع الداخلي الفلسطيني ولو عقدت مليون جلسة مصالحة. 

*ملاحظة (31/7/2016) الفيديو الأصلي محذوف وهذا فيديو بديل غير كامل:
 

ليست هناك تعليقات: